فهرس الكتاب

الصفحة 9285 من 9994

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: كلمة هزت مشاعري، وكادت أن تخنقني العبرة، قالها أخي المقدم ولست لها بأهل، وهي: أن يكون لي أيادٍ بيضاء على هذه المدرسة، فحقيقة الفضل لله وحده قبل كل شيء، ثم لمن قام على هذه المدرسة وتأسست على يديه من الإخوة والزملاء، ثم لمن واصل الطريق وأكمل البناء إلى هذه الساعة المباركة وإلى ما بعد ذلك -إن شاء الله- حتى تحقق هذه المدرسة رسالتها، وتؤتي أكلها في إخراج جيل مسلم قرآني يعرف كيف ولماذا يعيش؟ وما هي رسالته في هذه الحياة؟ وزاد من ألمي أن نظرت إلى هذه الوجوه بعد طول غياب، وطول شوق، فإن النظر إلى وجوه أهل العلم والقرآن ومجالستهم ومحبتهم تعتبر قربة إلى الله عز وجل. وأنا أهنئكم وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجزي القائمين على أمركم من مدرسين وإدارة كل خير، فهم هنا لا يؤدون وظيفة رسمية يتقاضون عليها أجراً، وإنما يمارسون رسالة أنيطت في أعناقهم، وهي من أساسيات وظائفهم في هذه الحياة أن يكونوا دعاة إلى الله عز وجل، وأنتم في هذه المؤسسة القرآنية لستم طلاباً كبقية الطلاب في بقية المدارس الذين يطلبون العلم لنيل الشهادة، وللحصول على الراتب والمرتبة، وبالتالي الوصول إلى ما يتمناه الإنسان من أمانٍ مادية بحتة تتمثل في: منصب وجاه ومركب ومنزل، وزوجة حسناء، وتنتهي طموحاته عند هذا الحد المهين الذي هو طموحات كل كافر على وجه الأرض، وليس للكافر بعد هذا أي هدف. لا. هذه ليست أمانيكم ولا أهدافكم، بل أنتم طلاب علم وخدمة لكتاب الله وحفظة لقرآنه، التحقتم بهذه المؤسسة القرآنية واخترتموها اختياراً من بين سائر المدارس؛ لتعيشوا في ظل القرآن ولتتربوا على منهجه، ولتتخلقوا بخلقه؛ وليرى الناس في المجتمع نموذجاً من البشر ما رأوه في غير هذه المؤسسة؛ لأنها تستظل بظل القرآن، هذه هي أهدافكم! وإذا صحت منكم النيات، وصلحت منكم المقاصد، وكان هذا الغرض؛ بارك الله في العمل مهما كان قليلاً، وبارك الله في الجهد مهما كان ضئيلاً، وأوتي الإنسان خير الدنيا ونعيم الآخرة، وإني لأرجو الله تبارك وتعالى أن تكون هذه الأهداف الكريمة، وهذه المقاصد النبيلة متوفرة في نفوسكم، وفي نفوس المدرسين والقائمين على أمر هذه المدرسة من الإداريين، هذا ما أتوقعه إن شاء الله. أما موضوع الكلمة والتي لم أوافق عليها ابتداءً خصوصاً في مدرستكم؛ لأن من يأتي ليلقي كلمة أو موعظة في مدرستكم كمن يجلب التمر -كما يقولون- إلى نجران، فماذا أقول لكم، أو أوجد من فكر أو عظة لمن انتظر منكم الموعظة، وممن أهرب إلا لمن إليه المهرب، ولكن وبإلحاح من الإخوة قبلت لا على أني سأفيد ولكن لعلَّ الله أن يجعلني مستفيداً، ولأحظى بالنظر إلى وجوهكم، فوالله إن اجتماعي بكم والنظر إلى هذه الوجوه المباركة في هذه الساعة لهي من أغلى الأماني، ومن أحلى الساعات في حياتي، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل التفرق من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا جميعاً شقيا ًولا محروماً.

الإيمان هو التفسير الحقيقي للحياة

الإيمان هو الذي يقدم التفسير الحقيقي لهذه الحياة؛ لأن هذه الحياة لغز حارت في فهمه العقول في القديم والحديث، وترددت في عقول الناس عدة أسئلة عن هذه الحياة، ما هذه الحياة؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين سأذهب بعدها؟ حتى قال شاعر والكفر والضلال تساؤلات تدل على منتهى التيه الذي يعيش فيه، وعلى منتهى الضياع الذي يعاني منه، والفراغ الذي يقتل روحه:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف سرت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري ولماذا لست أدري؟ لست أدري

وهذا منتهى الضياع؛ لأنك لا تدري من أين أتيت؟ ولماذا أتيت؟ وما هو الهدف والغرض من خلقك؟ وماذا سيكون بعد هذه الحياة؟ لا تدري إلا إذا تعلمت من الله؛ لأن مجرد العقل والذكاء فقط ليس كافياً لتلقي العلوم، فلو أتينا بشابٍ من أغوار تهامة، أو من الصحراء تتوفر لديه عوامل الذكاء، وأساسيات النبوغ، وطلبنا منه دون أن نعلمه أبجديات اللغة العربية، وقلنا: اقرأ لنا هذه الرسالة بذكائك، هل يستطيع الشاب الذي لم يتعلم الحروف الهجائية أن يقرأ الرسالة بالذكاء فقط، أم لا بد من المعلم؟ لا بد من المعلم. ولو عرضنا عليه مسألة رياضية مكونة من مجهولين، وطلبنا منه فك الأقواس وإيجاد المجاهيل؛ بناءً على المعاليم الموجودة، لكان ذلك أشد صعوبة عليه؛ لأنه لم يدرس الرياضيات. ولو طلبنا من الإنسان الذي لا يتقن اللغة الإنجليزية أن يقرأ رسالة باللغة الإنجليزية وهو لا يعرف الحروف الإنجليزية فإنه لن يتمكن بذكائه من قراءة هذه الرسالة. إذاً: فالعقل وحده ليس كافياً في الحصول على المعارف والعلوم، بل لا بد من المعلم، والذي يعلمنا لا بد أن تكون لديه الخبرة والمعرفة والقدرة و الهضم الكامل لمادته حتى يكون تعليمه مفيداً، وإذا كان فاقداً للمعلومات كان تعليمه خاطئاً، فإذا ذهبت بمسألة رياضية عند مدرس العلوم لم يعرفها، وإذا أتينا بحقيقة هندسية عند مدرس اللغة العربية لم يعرفها، فلا بد من الاختصاص، وهذا وارد في حياة الناس وفق سنّة التطور التي هي نظام يشهده ويلمسه كل إنسان فيما ينبغي له أن يتطور، ولا تنطبق هذه القاعدة على ما ينبغي له أن يثبت من أمور هذه الحياة. إذاً: فنحن لا نعرف من أين جئنا وإلى أين، ولماذا جئنا إلا إذا تعلمنا من الله عز وجل، ويوم ألا نتعلم من الله فسوف نجيب على هذه التساؤلات بإجابات خاطئة، ويترتب على أخطائنا أخطاء في السلوك، والعقائد، والعبادات، والمعاملات؛ لأن العلم الذي يحمله الإنسان للإجابة على التساؤلات خاطيء. ولذا يوم أن تعلمت البشرية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي علمه الله بوظيفة، ومن أين أتى الإنسان، وإلى أين سينتهي بعد هذه الحياة، أخذت البشرية الإجابات الصحيحة على هذه التساؤلات فسعدت، وهيمن العدل والأمن والطمأنينة والاستقرار والسكينة على قلوب أهل الأرض. ويوم أن تخلت البشرية عن الإجابات الربانية، والنظم المحمدية التي جاءت بها رسالة الإسلام، وبدأت تجيب على الأسئلة بإجابات من عندياتها ضلت وتاهت وانحرفت، وما يُلاحظ اليوم من عدم وجود الطمأنينة والقلق الذي يسيطر على العالم، والاضطراب والشذوذ الأخلاقي والجنسي، والتطاحن والتسابق من أجل التدمير، كلها نتائج حية لعدم معرفة الإنسان لماذا جاء؟ ومن أين جاء؟ وإلى أين سيذهب بعد هذه الحياة!

أعلى الصفحة

الإيمان أول واجب على الإنسان تعلمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت