الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
"البطل الفريد والشهيد القعيد رحمه الله تعالى"لا بد أن يكون موضوع حديثنا !
وأحب باديء ذي بدء أن أشير إلى أن خطيب المنبر يتعرض لضغوطٍ نفسيةٍ كثيرة ، ما عسى أن يقول في الأحداث العظيمة والأمور ليست على ما يحب المرء ويرضى ! وكيف يلبي ما قد يجول في خواطر ونفوس السامعين ؟ وكيف يتلقى قبل خطبته وبعدها من الناس ما يقولونه من مشاعرهم ، أو ما يطلبونه من توجيهٍ وإرشادٍ ، أو حثٍ وحضٍ وتحريضٍ على ما يرونه فيما يحبون أن يكون عليه الحال .
وثمة أمرٍ آخر - لا يجهله أحد - وهو: أن المقام الذي يكون فيه الحديث محزن ومؤلم ، ومن جهةٍ أخرى يجب أن يكون مؤثراً ومحركاً يقع فيه من تأثير العواطف ، ومن ضبط العقل وحكمته ما يكون غير يسيرٍ إلا بتيسير الله سبحانه وتعالى .
ولسنا - أحبتي الكرام - في مقامٍ نريد فيه مرة أخرى أن نثير العواطف ، ونهيّج المشاعر ، ونذرف الدموع ، ثم نمضي مرةً أخرى نرجع سيرتنا الأولى ، ونعود على أعقابنا ننشغل بدنيانا ، وننسى واقع أمتنا ، ونتغافل عن سوء حالنا ، ونتجاهل شدة هجمة أعداءنا .
من الممكن أن يتحدث الخطيب فتلتهب مشاعره فيبكي ويُبكي ، وقد قلت مراراً أني لا أجيد هذا ولا أحبذه ، وأحسب أن كل مؤمنٍ غيور قد اعتصر قلبه حزناً وأساً ، وما أحسب أحداً إلا وقد بكى ما شاء الله أن يبكي ، لكن الأمر ليس على ما نريد من هذه المشاعر التي تسكّن بها بعض أحزاننا وآلامنا .
فرأيت أن أتنحى عن مقام هذا الحديث إليكم ؛ لأنني أجد صعوبةً فيه فرأيت أن يتحدث إليكم في هذا المقام بمسيرة حياته ومجموع متفرقةٍ من كلماته الرجل الذي نتحدث عنه اليوم ؛ لأن حديثه إليكم أبلغ من حديثي ، ولأن كلماته أوقع في النفوس وأعظم تأثيراً في القلوب ؛ لأنها ليست كلمات بلاغة وإنشاء ولكنها كلمات صدقٍ وإخلاص ، صدّقتها الأفعال ، وروتها الدماء ، وشمخت بها إلى المراتب العليا من استعلاء الإيمان ، وثبات اليقين الذي نسأل الله عز وجل أن لا يحرمنا وإياكم منه.
مسيرة حياته في ومضات يرويها لكم ، ويقصها عليكم دون أن أعلق إلا باليسير:
في العاشرة أو الثانية عشر من عمره حلّت النكبة العظمى باحتلال اليهود - عليهم لعائن الله - لأرض الإسراء عام ثمانيةٍ وأربعين ، وخرج مع أهله وأسرته طريداً مهاجراً كآلافٍ ومئات آلافٍ وبضعة ملايين من أهل أرض الإسراء .
وانتقل إلى الضفة والقطاع - كما انتقل كثير من هؤلاء الناس - وهناك كانت قسوة العيش ومرارته وشدته ، حتى إن الغلام الصغير الذي كان يدرس في المرحلة الابتدائية اضطر إلى أن يقطع دراسته وأن يعمل في أحد المطاعم ؛ ليسهم في إعالة أسرةٍ كانت تتكون من سبعة أفراد .. لقد رأى الحياة المرّة ، والظلم والطغيان في أشد صوره وأقساها منذ لحظات حياته الأولى ، فارتسمت على صفحات قلبه ، وسطرت في مخيلته ، وجرت مع دماءه في عروقه ، وسكبت في نفسه ما سكبت من لفظ الظلم والعدوان ، وقوة المواجهة للطغيان ، ومضى بعد ذلك ليكمل مراحل تعليمه في صغره ونعومة أظفاره .
ومنذ فترة شبابه الأولى أراد الله عز وجل أن يكون في حياته عبرةً عظيمة ، وأن يكون في مواقفه وفي هيئته ما يجعله فريداً يلفت الأنظار ، وقعيداً يشد الأبصار .. في السادسة عشر من عمره تعرض لحادثةٍ كسرت فيها بعض فقرات من عنقه ، وأصبح شليلاً مشلولاً قعيداً لا يتحرك إلا في قليل من الحركة ، لم تلبث بعد فترات اعتقالٍ وتعذيبٍ وإجرام أن زادت حتى صار لا يتحرك منه إلا رأسه ، ولكن رأسه إذا تحرك أقام الدنيا وأقعدها ، وحرّك الجماهير وألهبها ، وأوقع في الأعداء ما يوقع من رعبٍ وخوف ، وما ينزل بهم من خسائر فادحةٍ في أرواحهم وممتلكاتهم رحمه الله رحمةً واسعة .
في هذه الفترات من عمره لم يكن ذلك الفتى الشاب رغم هذه الحادثة ورغم الظروف القاسية قانعاً بأن يكون كغيره قعيد فراشه ، وطريح كرسيه ! بل كان في تلك الفترات من عمره داعيةً متحركاً ، ومشاركاً في مواجهة الظلم والطغيان ، فقد شارك في المظاهرات الاحتجاجية على العدوان الثلاثي على مصر في عام خمسة وستين ، وكان له دور ومشاركة دعوية .
وعندما تخرّج من الثانوية - وقد تعلّم أيضاً عند الشيوخ في المساجد - تقدّم إلى مهمة التعليم ؛ ليكون معلماً وكادت أحواله الصحية أن تمنعه من ذلك ، ولكن تيسر له ذلك فعلّم في التربية الإسلامية واللغة العربية ، وبثّ روح العزة والمقاومة والجهاد ، وبيّن حقائق الأعداء وطرائقهم في حرب الإسلام وأهله ، ثمّ - وهذا من عجائبه - صار يخطب في الجماهير ، وكان خطيباً مؤثراً معبراً بحاله قبل مقاله ، وكان في العشرين من عمره خطيباً للمسجد العباسي في غزة ، وشهد له المنبر بالمواقف العظيمة التي كان يؤثر فيها في الناس .