في هذه الفترات والمراحل الأولى قبل أن يكون هناك في تلك الفترات الزمنية دعوة أو صحوةً إسلامية كان التزام الإسلام غريب يوم كان مدّ اليسارية والقومية والاشتراكية والبعثية قد مدّ في أمة الإسلام والعرب على وجه الخصوص مدً كاد ألا يسلم منه أحد .
في تلك الفترة اعتقل في العشرين من عمره أول اعتقالٍ في زنزانة منفردةٍ شهراً كاملاً ، ثم خرج من بعد وواصل مسيرة الدعوة وتحريك الناس وتربية الشباب الذين لم يأتوا من فراغ ، ولم يكن استشهاده ولا استشهاد أبناءه حماس أمراً جاء فلتة من الزمان ! أو جاء في اندفاعٍ عاطفيٍ ، بل كان ثمرة تربيةٍ إسلاميةٍ إيمانيةٍ دعويةٍ جهاديةٍ ، كان فيها هو الرائد القائد ، ثم معه صحبه الكرام الذين قطعوا مراحل وعقوداً من الزمن قبل أن تأتي بطولاتهم ، وقبل أن يسطروا بدمائهم تلك المآثر العظيمة والمواقف الجليلة .
مضى - رحمه الله تعالى - حتى نشط في الدعوة نشاطاً ، كان فيه المبرز ومن هنا جاء اعتقاله ومحاكمته بتهمةٍ عجيبة تدمير دولة إسرائيل .
الرجل الذي كان يوم ذاك لم يتجاوز إلا منتصف الثلاثينات من عمره أو قريباً من الأربعين ، وهو على حاله المعروفة يواجه بهذا الاتهام ، ويحكم عليه بالسجن ثلاثة عشر عاماً ، ثم في السجن - مع التعذيب - تذهب عينه اليمنى ويضعف بصره في عينه اليسرى ، وتزداد آلامه في أحشاءه - رحمه الله - ويأبى الله عز وجل لهذا الرجل إلا أن تكون حياته فريدة ، وأن تكون أيضاً شهادته فريدة ، فيخرج رغم هذا الحكم في صفقةٍ في تبادل الأسرى في عام خمسة وثمانين .. فهل تاب من فعلته ؟ وهل أقعدته أمراضه مع شلله ؟ كلا ! فقد تحرّك حركةً أعظم مما كان يتحركها من قبل ، وتحرّك حينئذٍ وقد رأى ثمرة جهده وجهد إخوانه وهي تزهر بالمساجد التي امتلأت بالشباب ، وفي الرجوع والأوبة إلى الله - سبحانه وتعالى - فرأى الوقت مناسباً أن يجيش هذا الزخم الدعوي الإيماني ؛ ليكون فعلاً حركياً عملياً في مقاومة أعداء الله ، فنشأت حركة المقاومة الإسلامية"حماس"، وحينئذٍ - وبهذه الجهود العظيمة التي تحرك فيها الشيخ - أعيد اعتقاله بعد عامين اثنين تقريباً ، ثم سجن نحواً من عامين ، وحكم عليه بحكمٍ فريدٍ غريب ! حكم عليه بالسجن مدى الحياة وزيادة خمسة عشر عاماً ؛ لنرى كيف هو الطغيان والعنصرية اليهودية البغيضة ؟ كيف يحكم على امرئٍ بمدى الحياة وزيادة خمسة عشر عاماًً ؟ وهل سيعتقل بعد موته خمسة عشر عاماً ؟!
قد خيب الله أملهم ، فلم يكن لم تكن وفاته وموته في سجونهم .
ومرةً أخرى - وبقدر الله عز وجل - وبسببٍ من أحد أبناءه وأبطاله ورجاله ، يخرج الشيخ مرةً أخرى بعد سنواتٍ غير قصيرةٍ ، عام سبعةٍ وتسعين ، ويخرج حينئذٍ وهو قائدٌ عظيم ، وهو الذي أخذ السمة العظيمة في تأسيس حركة الجهاد والمقاومة الإسلامية .
ومضى رحمه الله على هذه المسيرة ، حتى تعرض بعد الاعتقال إلى محاولة الاغتيال ، التي لم تكن بينها وبين استشهاده إلا نحو ستة أشهرٍ ، ثم جاءت الخاتمة الحسنة بإذن الله - عز وجل - في يوم الاثنين ، وبعد صلاة فجرٍ ، وبعد فريضة ووسيلة وورد ذكرٍ ؛ ليكون على موعدٍ مع ما أراده له الله - عز وجل - وتمناه هو لنفسه بهذه الشهادة ، التي تمثل قمة الشموخ والإيمان ، وعظمة المسلم المجاهد ، إذ كيف لهذا الرجل الضعيف الواهي الواهن أن يُضرب بثلاثة صواريخ من طائراتٍ ، تعضدها طائراتٍ مقاتلة لا تستخدم إلا في حروب الدول، ولا تستخدم إلا في القصف المدمر العنيف !!
لأنهم كانوا يدركون عظمة هذا الرجل ، وعظمة حركة رأسه ، وعظمة كلماته ، وعظمة حركة كرسيه ، ولقد كان في تدبيرهم حتفٌ لهم بإذن الله عز وجل ، إذ أعطوه ما تمناه ، وإذ جعلوا من شهادته وقوداً محركاً للأمة بإذن الله ، وجعلوه يختم هذه الحياة بما صدق كل كلمةٍ من كلماته ، وكل موقفٍ من مواقفه ، وجعلوا شهادته الأخيرة هي قمة عطاءه ، وأعظم جهاده ، وأسمى درجات تضحياته ، وفداءه في سبيل الله عز وجل ، وفي سبيل نصرة دينه وأمته وفي سبيل مواجهة أعداءه من أعداء الدين والأمة .
ثم أنتقل بكم - أيها الاخوة - بعد هذه المسيرة إلى وقفات:
إن واحداً منا إذا أصابه شيءٌ من زكامٍ يسير ربما تخلّف عن الصلوات ، والشيخ القعيد - بأمراضه التي يحملها - إلى آخر يومٍ من أيام حياته ، وهو يشهد الصلاة في المسجد ويؤدي الفجر في الجماعة ، دون أن يتخلف بأعذارٍ كثيرةٍ ، ربما يكون له فيها ممدوحةً شرعيةً عند الله سبحانه وتعالى .
ثم انظروا - كذلك - إلى مواصلة المسيرة التي لا تتوقف لأجل الظروف العصيبة والممانعة الرهيبة التي مرت بها مسيرة حياته .. لم يثنه عن مضيه في دعوته ورفع راية الإسلام اعتقال ولا تعذيب ، فضلاً عن أصل ما هو فيه من الإعاقة الظاهرة البينة .