فهرس الكتاب

الصفحة 2269 من 9994

ثم لننظر إلى الأهم الأهم ، وهو أن وقود كل قوةٍ إسلامية ، وكل عزةٍ إيمانية وكل انتصارٍ في ميادين المعارك وانتصارٍ في ميادين النفس المثبطة ، إنما هو من منهج التربية والدعوة .

الدعوة إلى الله والتربية على الإسلام ، وتنشئة الأجيال على القيم والمبادئ والمفاهيم والعقائد الإسلامية هي الركيزة الأساسية والقاعدة المتينة التي يشاد عليها حينئذٍ كل بناءٍ قوي ، وكل شموخٍ عالٍ ، وكل عزةٍ قعساء ، وكل مقاومةٍ قوية ، وكل قضيةٍ يراد لها أن تستمر لا يمكن بحالٍ من الأحوال ، إلا أن نوقن بما كان عليه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم .

إن محمداً - صلى الله عليه وسلم - لم يخرج إلى معركةٍ وغزوةٍ جهاديةٍ إلا بعد مضي خمسة عشر عاماً من بدء دعوته ، هل كان فيها نائماً عليه الصلاة والسلام ؟ هل كان فيها لا يؤدي دوراً ؟ كان يسكب الإيمان في القلوب ،وكان يغرس اليقين في النفوس ،وكان يصحح المسار في الأفكار ،كان يقوم الممارسة في السلوك ،كان يبين التصورات والمبادئ والعقائد والعلائق كيف تكون ، كان يعلم شموخ الإيمان وقوة اليقين فلما خرج إلى ميدان الدولة بعد الدعوة ، ولما خرج إلى ميدان الجهاد بعد التربية أخرج أمةً عظيمةً من أصحابه - رضوان الله عليهم - فشرّقوا وغرّبوا ، وانتصروا أعظم انتصارٍ في كل ميدان .. تلك هي القضية الأساسية في أمة الإسلام .

قبل حديثي إليكم جاءني من يقول: ماذا نعمل ؟ إن الطريق الطويل الذي رسمه سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - ورسمه كل قادة الأمة وأبطالها إنما يمر عبر هذه التربية والتعليم والدعوة الإيمانية الإسلامية التي لا بد أن نأخذ بها ، وأن نأخذ بالحظ الأوفى والأوفر منها ، وأن نشيعها في أبناءنا ومجتمعاتنا ، وأن نغيّر بها القلوب والعقول ؛ لتكون قلوباً إيمانية ، وعقولاً إسلامية ، فحينئذٍ ستكون حينئذٍ بإذنه عز وجل مقاومةً إيمانية ، وجهاداً إسلامياً ، ومنهجيةً شرعية ، ورؤيةً واضحة ، ومواقفاً مشرفة ، ليست القضية انفعال عابر !

حدثني أحد الاخوة قبل الخطبة - وهو يريد أن يؤسس لهذا المعنى - قال: قد حزّنا وتفاعلنا يوم مقتل الدرة - ذلك الغلام الصغير - ورأيناها جريمةً بشعة ، تحرّكت لها القلوب ، وتحرّكت لها العواطف ، ثم مرت أيام وعدنا إلى ما كنا عليه ! قال: وسيكون هذا مثل هذا ! وأقول: بإذن الله عز وجل لن يكون هذا .

لكن لا بد أن ندرك أن معركتنا هي معركة الإصلاح في أعماق النفس أولاً ، ومعركة الإصلاح في واقع المجتمع ثانياً ، ومعركة التغيير في مجموع أحوال الأمة ، فإذا توفر ذلك تحقق الوعد الرباني ، قال تعالى: { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } .

وتحققت النتيجة التي لا يشك فيها مؤمن ، قال تعالى: { إن ينصركم الله فلا غالب لكم } .

أما أن نقول: ماذا نصنع ؟ ونصيح: ما الذي يمكن أن نفعله ؟ ونشعر بأننا مقيدون ! فأقول: إن من يقول ذلك عنه أمران ينبغي أن ينتبه لهما: تفريط وقعود عن ميادين عملٍ كثيرةٍ مفتوحةٍ أمامه ، ويريد أن يخفف عن نفسه بهذه العاطفة الجياشة ، فنقول له: انتبه ! كن صادقاً مع نفسك إن كنت مؤمناً مسلماً تريد خدمة أمتك ، فأنت أعلم بما تقيمه في نفسك وأهلك .

انظروا إلى أنفسكم واسألوها: كم منّا صلى الفجر اليوم في جماعة وفي مسجد ؟ وكم تخلف ؟ ثم يقول: ماذا أصنع ؟ ويقول: كيف أنصر ديني وأمتي ؟

كيف تنصر دينك وأمتك وأنت واحدً من أسباب ضعفها ، وأنت سبب من أسباب بلاء الله عز وجل عليها ورزاياه التي يقدّرها لها بسبب تخلفها عن أمره أو ارتكابها لنهيه ؟! وهذا أمر واضح بيّن .

وثانية - وهي قضية أخرى من القضايا المتعلقة بالعاطفة - وهي: أن الناس يريدون أن ينفسوا عاطفتهم لو أنني صحت لهم أو بكيت لهم وبكوا لخرجوا وهم مطمئنين مرتاحين كلا لا نريد ذلك نريد أن تترجم كل شعورٍ بالرغبة في خدمة الدين ، وكل شعورٍ بالنقمة على أعداء الدين أن تترجمه إلى عملٍ طويل ، وإلى التزامٍ صادق ، وإلى تغيرٍ حقيقيٍ في حياتك ، إلى أن تبذل لدينك من وقتك وقولك وفعلك وحالك ومالك وولدك ما تستطيع ..

إن المسألة أعظم من ذلك أي أعظم من مثل هذه العواطف العابرة واستمعوا لقول الله سبحانه وتعالى: { قل إن كان آبائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٍ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين } .

أين كفة الأزواج والأبناء والعشيرة والأموال والدور والقصور والتجارة ؟ وأين كفة محبة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ومنهج الإسلام ، والجهاد في سبيله وإعجازه والتضحية لأجله ؟

إذا تساوت الكفتان فلا فائدة ولا نفع ، إن لم ترجح كفة الإيمان والإسلام في نفسك على خاصة حضوضك الدنيوية وحياتك اليومية فلا نفع من ذلك ؛ فلذلك حاسبوا أنفسكم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت