وجميع هؤلاء الخلائق تعلموا وتقدموا وطاروا في السماء، والمسيحي منهم باق على إنجيله وتقاليده واليهودي باق على توراته وتلموده، والياباني باق على وثنيته، وهذا المسلم المسكين يستحيل أن يترقى إلا إذا رمى قرآنه وعقيدته .... ولباسه وفراشه وطعامه وشرابه وأدبه وانفصل من كل تاريخه، فإن لم يفعل فلا حظ له من الرقي.
فهذا أيها المسلمون كلام الباقين الذين عرفوا الإسلام وعرفوا الحضارة الغربية الزائفة أتيت به دليلاً على ما في التشبه بالكفار والمشركين من المفاسد الدينية والدنيوية وعليكم أيها المسلمون جميعاً إبطال قول من يقول أن التشبه باب التقدم ومفتاح الرقي وأساس المدنية ومعراج الحضارة وصدق الله العظيم إذ يقول: ايبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً.
عباد الله: أذكر باختصار مفاسد التشبه بالمشركين وأضرار ذلك، وهي كثيرة جداً أذكر منها:
1-الشك في عقائد الدين وعدم الاطمئنان إلى ما بشر به القرآن الكريم. فلا تكاد تجد متشبهاً بالكفار يؤمن بالقرآن إيماناً صحيحاً كما يؤمن به المؤمنون ويعتقد ما يعتقده المسلمون.
ومنهم من يطعن في القرآن بدعوى البحث العلمي وأنه لا صلة لذلك بالاعتقاد ومنهم من ينكر البعث والنشور، ومنهم من ينكر نبوة رسول الله ، ومنهم من ينكر أشراط الساعة والملائكة والجن، ولا يعبأ بنصوص الشريعة، والمنافقون منهم يستترون تحت شعار التأويل الذي هو في الحقيقة تلاعب وتكذيب، وقد أعجبتهم كتب المعتزلة في هذا الصدد فسعوا في نشرها وطبعها لأنهم وجدوا فيها ما يهدم حيث اعتمدوا مع الفلسفة اليونانية وجعلوها في وجه القرآن والسنة.
2-المجاهرة بالطعن في الدين وانتقاص عقائده والاعتراض على شرائعه في المجالس والمدارس والمجلات ووسائل الإعلام الأخرى من صحف وإذاعة وتلفزة، وهاهم يعترضون على الأحكام المتعلقة بالمرأة من ميراث وطلاق وزواج يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.
نفعني الله وإياكم بالقرآن المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم لي ولكم وللمسلمين.
الخطبة الثانية
أما بعد:
عباد الله: ومن المفاسد التي جناها علينا تقليد الكفار والمشركين:
3-حرية الأديان والأخلاق. فأصبح بعض الناس يرى أنه حر في نفسه يفعل ما يشاء ويعتقد ما يشاء ويتدين بالدين الذي يشاء، الأمر الذي ضاع به الدين وفسدت الأخلاق وانتشرت الفوضى، ويحتجون بآيات من القرآن الكريم لا يصح الاحتجاج بها مثل لا إكراه في الدين. ومعناها الصحيح أنه لا يكره أحد ذو دين على مفارقة دينه، أما مفارقة المسلم لدينه والمجاهرة بالطعن فيه بين المسلمين وبلادهم فليس ذلك بحرية، ولكنه وحشية واعتداء على الإسلام والمسلمين بمقر دارهم قال: (( من بدل دينه فاقتلوه ) ).
4-تضييع الفرائض واستحلال المحرمات والتجاهر بالمنكرات، فالأمة الإسلامية أصبحت كالدول الأوربية في كل شيء، لا وجود لإقامة الصلاة في دوائرها، وتغشى المجاهرة بالمعاصي من ربا وخمر وزنا وتبرج واختلاط وسب الدين والملة بدون حياء ولا وجل ولا خوف. ولا خجل لا من الله ولا من الناس.
5-قصر الإيمان على القلب.
6-التركيز على إفساد المرأة وإخراجها من بيتها للتعليم ثم لغيره ومشاركة الرجل في أعماله الخارجية ولو كان هذا العمل لا يتلاءم مع أنوثتها فتشتت بذلك شمل الأسرة المسلمة وانتشر البغاء حتى أصبحنا نسمع عن الفتيات اللواتي يحملن وهن مازلن في الثانوية أو الجامعة.
كل هذا أيها المسلمون سببه تشبه من يدعون الإسلام بالكفار تحت شعار الحرية وحقوق الإنسان.
فاتقوا الله عباد الله واقتدوا بالصالحين وتشبهوا برسول الله وبحبه تفوزوا برضى رب العالمين. قال رسول الله: (( لن تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان ) )وروى الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله: (( يؤذن المؤذن ويقيم الصلاة قوم وما هم بمؤمنين ) ).
اللهم حبب إلينا سنة رسوله والاقتداء بالسلف الصالح وأحينا على هديهم وأمتنا على ملتهم يا أرحم الراحمين.
صالح بن عبد الله بن حميد
مكة المكرمة
المسجد الحرام
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-سنة تدافع الحق والباطل. 2- سنة التميز بين المجتمعات. 3- حرص الإسلام على تمييز المسلمين عن غيرهم. 4- الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن التشبه بهم. 5- حقيقة التشبه وأضراره. 6- التحذير من دعاة التغريب. 7- التحذير من التشبه هو دعوة الصالحين المصلحين. 8- كمال الدين وتمام الشريعة. 9- لا مانع من الاستفادة من علوم الآخرين.
الخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، فإن تقوى الله عروة ما لها انفصام, من استمسك بها حمته بإذن الله من محذور العاقبة، ومن اعتصم بها وقَتْه من كل نائبة, فعليكم بتقوى الله فالزموها, وجِدوا في الأعمال الصالحة واغتنموها، فالزمان يطوي مسافة الأعمار, وكل ابن أنثى راحل عن هذه الدار.
أيها المسلمون، قضت سنةُ الله عز وجل في هذه الدنيا أن يتصارع الحق والباطل، ويتدافع الهدى والضلال، ويتنازع الصلاح والفساد، وفي محكم التنزيل: وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَاكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251] ، ويقول سبحانه: وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصلاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] .
التدافع في هذه الدنيا قائمٌ بلا انقطاع، والتنازع سرٌّ من أسرار هذه الحياة، وناموسٌ من نواميس الله في خلقه، يجري على قدر، وينتهي إلى غاية، تدبيرٌ من حكيم عليم.
ولقد كان من مقتضى ذلك أن تتعدَّد المجتمعات في صفاتها وتتنوَّع في سماتها، فتلتقي كل جماعة على صفات عامة تؤلِّف بينها وتشدُّ بنيانَها وتوثِّق تماسكها وتوحِّد صفوفَها، لتبدو كالجسد الواحد, وفي ذات الوقت تتميَّز كلُّ جماعة أو مجموعة عن غيرها في خصائص وعوامل تجعلها ذات استقلال وانفراد, فتشابُه أفراد المجموعة يحفظها من التشتت والتفكك، وأما مخالفتها لغيرها فيحميها من الذوبان والاضمحلال.
ودينُ الإسلام وهو دين الفطرة يقرر هذه السنةَ الإلهية وهذا النظامَ الرباني، فقد جعل الله الناس أممًا كما جعلهم شعوبًا وقبائل، فقال سبحانه: لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِى الأمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الحج:67-69] , ويقول سبحانه: لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلَاكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا ءاتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة:48] .