بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل قدير. وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين؛ فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا.
فصلِّ يا رب على خير الورى *** ما صدحت قُمْرية على الذرى
والآل والأزواج والأصحاب *** والتابعين من أولي الألباب
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ) أما بعد فيا عباد الله، لم يزل كثير من الخلق يلهثون ينصبون، يسعون يكدون، فمنهم من يسعى لجمع المال من أي القنوات، ومنهم من يلهث في بهيمية خلف الشهوات وأودار القنوات، ومنهم من يهرول وراء الشهرة والجاه والسلطان في سبات التيه قد أمضى رحلات، ومنهم من يعدو وراء الأماني والأحلام، يسبح في غير ماء، ويطير من غير جناح.
كمهمهٍ فيه السراب يلمح *** يدأب فيه النوم حتى يطلحوا
ثم يظلون كأن لم يبرحوا *** كأنما أمسوا بحيث أصبحوا
ضياع أعمار نفيسة في طلب أغراض خسيسة، أَمَا إنك لو سألتهم جميعًا من وراء ذلك السعي واللهث ما تريدون؟ لأي شيء تهدفون؟ لأجابوك: الحياة الطيبة نريد، إلى السعادة نهدف، نركض نعدو إلى سرور النفس ولذة القلب، ونعيم الروح وغذائها ودوائها وحياتها وقرة عينها نتوق، أرادوها فأخطئوا طريقها، وتاهوا فعطشوا وجاعوا، وعلى الوهم عاشوا؛ فصار حالهم كمن سقي على الظمأ بالسراب والآل وكانوا كمن تغدى في المنام، وفي تيههم فقدوا حاسة الشم والذوق فلم يفرقوا بين الروائح العطرة من الكدرة، ولا العذب في الفرات، فشقوا وتعسوا ويظنون أنهم سيسعدون، غفلوا في تيههم عن داعي الحق على الطريق وهو يندبهم ويقول: مهلا مهلا. والله لا يسعد النفس ولا يزكيها ولا يطهرها ولا يُذهب غمها همَّها وقلقها ويسد جوعتها وظمأها، ويعيد لها شمها وذوقها، إلا الإيمان بالله رب العالمين بلسم الحياة، بلسم الحياة ومفتاح السعادة، قال الله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) هذا خبر من أيها المؤمنون؟ ينبيك عنه [ابن القيم] بما ملخصه -في تصرف- إنه خبر أصدق الصادقين وأحكم الحاكمين، الله رب العالمين، وهو خبر يقين، وعلم يقين بل عين يقين، فحوى الخبر، أنه لابد لكل من عمل صالحًا مؤمنًا أنه يحييه الله حياة طيبة، بحسب إيمانه وعمله، (وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) الحفاة الأغلاظ، لا يعلمون، غلطوا في مسمى هذه الحياة فظنوها التنعم في أنواع المآكل والمشارب والملابس، والمراكب والمناكف ولذة الرياسة، والمال وقهر الأعداء والتفنُّن بأنواع الشهوات والملذَّات، حال أحدهم:
إذا تغديت وطابت نفسي *** فليس في الحي غلام مثلي
إلا غلام قد تغدى قبلي *** فنصف النهار لترياسه
ونصف لمأكله أجمع
لا ريب أن هذه لذة مشتركة بين البهائم، بل قد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الإنسان، فمن لم تكن عنده لذة إلا اللذة التي تشاركه فيها السباع والدواب والأنعام والبهائم فذلك مسكين ينادى عليه من مكان بعيد، هِمَّتُه هِمَّةٌ خسيسة دنيئة، همة حُشّ.
كل داءٍ في سقوط الهمم *** يجعل الأحياء مثل الرمم
نامت الأُسْد بسحر الغنم *** سمَّت العجز ارتقاء الأمم
فأين هذه اللذة من اللذة بأمر إذا خالطت بشاشته القلوب سلا صاحبه عن الأبناء والنساء والإخوان والأموال والمساكن والمراكب والمناكح والأوطان، ثم رضي بتركها كلها والخروج منها رأسًا وهو وادع النفس، منشرح الصدر، مطمئن القلب، يعرض نفسه لأنواع المكاره والمشاق، لعلمه أن الجنة حُفَّت بالمكاره، يطيب له قتل ابنه وأبيه وصاحبته وأخيه في سبيل الله. أو قتلهم إن كانوا أعداء الله.
فلم يكن في سبيل الله تأخذه ملامة الناس والرحمن مولاه، فإذا بأحدهم يتلقى سنان الرمح بصدره، فيخرج من بين ثدييه، الدماء تثعب منه ينضح من هذه الدماء على وجهه وجسده ويقول وقد ذاق بلسم الحياة: فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة، حتى قال قاتله: فقلت في نفسي: ما فاز، ألست قتلت الرجل! فما زال يسأل حتى أُخبر أنه فاز بالشهادة وبما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فقال قاتله: فاز لعمر الله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إن بعض النفوس، تظل في شك من مصداقية هذا الدين، حتى ترى قسمات الفرح بادية على وجوه أفراده بشرًا وسرورًا وسكينة واطمئنانًا، وهم يواجهون الموت في سبيله!.
لنقاءٍ ونماء ولإيمان وثيق *** قتلهم في الله أشهى من رحيق