"إياد موسى"
بين همم الأئمة والخطباء وقدراتهم وتفاوت استشعارهم بقدر المنبر الذي يعتلون للخطبة يقع تباين عظيم وتعلو أقدار أئمة وتهبط أقدار أئمة آخرين.
في سفر ترويحي قضيته مع أسرتي في إحدى المدن الصناعية بالمملكة توافق أن كان يوم جمعة وبحثت عن جامع أصلي فيه.
استنصحت أحد زملائي في تلك المنطقة فأشار علي بأقرب جامع وأفضل القريب!!.
توجهت لذلك الجامع وإذا به ضخم البنيان واسع المساحات والكل إليه يتهافتون.
دخلت الجامع وفيه من الهيبة ما الله به عليم.
هدوء وخشوع وسكينة وقراءة لسورة الكهف ففضلها في هذا اليوم معلوم.
اقتربت قدر المستطاع من الصف الأول ومن المنبر حتى أكون من الخطيب قريباً.
رقى الخطيب المنبر وسلّم"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
رُفع بعدها الأذان وبدأ الخطيب في حمد الله والثناء عليه والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه الطيبين.
ثم شرع في خطبته التي اتسمت بالهدوء والصوت الخافت والرتابة والموضوع الميت، وأقصد بالميت أي غير المتصل بظروف المجتمع ولا حاجات الناس الحقيقية ولا التطبيقات العملية لأمور الشريعة، وإنما موضوع تعبير من صفحتين، اكتب سطراً واترك آخراً، كبّر من حجم الخط حتى تنجز الصفحات بأقل الكلمات.
لم تستغرق عملية دخول الخطيب وخروجه من المسجد سوى 15 دقيقة أو تقل وكل شيء قد انتهى!!.
أهذا هو مراد الشريعة من خطبة الجمعة؟ وهل لهذه الخمسة عشر دقيقة يجتمع الناس متعطشين إلى ما ينفعهم؟
هذه صورة باهتة لخطيب جمعة وضع الله بين يديه جامعاً ضخماً في منطقة أهلها متعلمون ومقتدرون ولا أستطيع القول إلا أنه أضاع هذه الهبة.
بخلاف خطيب آخر وصورة أخرى لإمام أحبه مصلوه وأنصتوا إليه على مدار الساعة التي يعتلي فيها منبره خطيباً ويؤمهم مصلياً، خطيب لا تقل مدة خطبته عن 45 دقيقة بل تزيد، متجدد في موضوعاته، منافح عن هموم أمته، مبين لأحكام دينه، مذكراً بربه واليوم الآخر، شاهر سيف الكلمة الحقة في وجه دعاة الفساد والرذيلة في المجتمع المسلم، ومن حرصه على إيصال كلمة الحق للآخرين حول العالم تنقل خطبته عبر مواقع الإنترنت وتحفظ في مواقع أخرى.
هذا نموذج امتلك من الميزات في جامعه ما بلغه صاحبنا الأول، ولكن همته غلبت همة ذاك واعتلت فوق السحاب ليصبح جامعه شعلة في النشاط على مدار اليوم وعلى مدار العام.
ففي يومه درس علمي بعد الفجر وآخر خفيف بعد العشاء، درس أسبوعي يشد له طلاب العلم رحالهم، وخطبة الجمعة التي تعد في حقيقتها درساً علمياً وتربوياً لا مادة ميتة تعرض على المصلين.
في رمضان له درسه العلمي الذي يحيي المسجد ويجدد لدى مرتاديه النشاط وفي إجازة الربيع كذلك وفي الصيف أيضاً.
ومسجده حيّ بحلق التحفيظ للكبار والصغار ونور الجامع منتشر حول العالم عبر شبكة الإنترنت.
فهلّا اتخذنا معاشر الخطباء والأئمة منه أنموذجاً لإحياء مساجدنا وإشعال نور منابرنا ليضيء قلوب المؤمنين وتحديداً أولئك الذين لا يحضرون إلى الجامع إلا يوم الجمعة وقد لا يصلون في حياتهم إلاها؟!!!!