وكل هذا يوضح لنا ما لأسماء الله وصفاته من أثر في تحقيق العبادة وإقامة الدين، إذ لا تستقر للعبد قدم في الإيمان إلا بمعرفة الله الواحد الديان فالإيمان بأسماء الله وصفاته ومعرفتها وإثباتها أساس دين الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان ولا تستقيم للعبد محبة الله سبحانه إلا بهذه المعرفة وإنما تفاوتت منازل عبادات الناس ومراتبهم في محبة الله تعالى وتعظيمه بسبب تفاوت منازلهم ومراتبهم في معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته فكلما أدام العبدُ النظر في أسماء الله والتأمل في صفاته، ازدادت محبته لربه وإقباله على طاعته وتحققت له لذة عبادته فأنس بربه واشتاق إلى لقائه.
ومعرفة أسماء الله وصفاته تحمل العبد على الإكثار من ذكر الله وشكره والثناء عليه ومدحه والحمد له. وذكر الله سبحانه ومدحه من أعظم ما يقرب إليه فإنه لا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى من أجل ذلك مدح نفسه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
ومهما بلغ العبد من تمجيد الله تعالى وتقديسه فإنه لم يوفه حقه ولم يقدره حق قدره قال تعالى: ?وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ? (7) ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (( لا أحصي ثناء عليك ) ) (8) فهو سبحانه فوق ما يثني عليه المثنون وفوق ما يحمده الحامدون كما قال الأول:
وما بلغ المهدون نحوك مدحةً وإن أطنبوا إن الذي فيك أعظم
لك الحمدُ كلُ الحمد لامبدأ له ولا منتهى واللهُ بالحمد أعلم
ومعرفة أسماء الله وصفاته سبيل يَستدل بها الخواص من أولي البصائر والألباب على أفعال رب الأرباب وشاهدُ هذا ومثاله ما أخرجه أحمد و ابن ماجه والطبراني بسند يقبل (( فيه لين وهو قابل ) )التحسين عن أبي رَزين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ) )قال: قلت يا رسول الله أويضحك ربنا؟ قال: (( نعم ) )قلت: لن نعدم من رب يضحكُ خيراً )) (9) فهذا أبورزين رضي الله عنه استدل على جميل فعل الله تعالى بصفة من صفاته وهذا باب مهجور ودرب متروك قل سالكه وشذ طارقه ولا يركبه إلا الخلص من المؤمنين.
الخطبة الثانية
أما بعد ...
فاعلموا بارك الله فيكم أنه لما غفل كثير من الناس وذهلوا عن هذا الباب العظيم من أبواب معرفة الله الجليل حجب أكثر الخلق عن تحقيق الإيمان بالله تعالى، فإن صفاته إذا أغفلها الناس ووضعوا أعلامها عن القلوب وطمسوا آثارها وعطلوا معانيها، ضربوا بسياط البعد عن الله وأسبل دونهم حجاب الطرد والإبعاد وتخلفوا مع المتخلفين وقعدوا مع القاعدين، ولذا فإن كثيراً من الناس يسمعون أسماء الله وصفاته فلا يؤثر ذلك في قلوبهم ولا يزيد في عبادتهم ولا يُصلح أقوالهم ولا أعمالهم ولا أحوالهم فقد ضرب بينهم وبين الله ومعرفته حجاب من الشبهات والشهوات والجهل والغفلة.
واعلموا أيها الإخوة الكرام أن لكل اسم من أسماء الله تعالى معنى يُتعبد لله به ويتقرب إليه بمقتضاه وقد أطال ابن القيم رحمه الله في نونيته في بيان معاني بعض أسماء الله تعالى التي يتعبد الله تعالى بها وقد اخترت بعض الأسماء التي ذكرها رحمه الله لأبين أثر معرفة أسماء الله تعالى على العبد فمما قال رحمه الله:
وهو السميع يرى ويسمع كل ما في الكون من سر ومن إعلان
ولكل صوتٍ منه سمعٌ حاضر فالسر والإعلان مستويان
وهو البصير يرى دبيب النملة السوداء تحت الصخرِ والصوَّانِ
وهو العليم أحاط علماً بالذي في الكون من سر و من إعلان
وبكل شيء علمُه سبحانه فهو المحيط وليس ذا نسيان
وهو الحليم فلا يعاجل عبده بعقوبة ليتوب من عصيان
وهو العفو فعفوه وسع الورى لولاه غار الأرضُ بالسكان
وهو الرقيب على الخواطرِ واللوا حظ كيف بالأفعال بالأركان
ومضى رحمه الله يذكر أسماء الله تعالى الحسنى وما فيها من المعاني العظيمة العليا وهذا يبين لنا المنهج السليم في باب الأسماء والصفات وهو أن يقرن الإثبات للأسماء والصفات بالتعبد لله تعالى بمعانيها، وقد ظن أقوام أن السلف رحمهم الله إنما اعتنوا واهتموا بإثباتها فحسب، لذا انحصرت جهود هؤلاء في جانب الإثبات والرد على من ضل في هذا الباب من معطلة لصفات الله أو ممثلة لله سبحانه وتعالى بخلقه ولا شك عند من لديه معرفةٌ بمنهج السلف، أنهم رحمهم الله لم يقتصروا على جانب الإثبات النظري بل اهتموا كثيراً بجني ثمار هذا الإثبات في عبادتهم لله تعالى، فعلى من أراد سلوك سبيل السلف الصالحين و الأئمة المهديين أن يجتهد في إحياء التعبد لله تعالى بأسمائه وصفاته وألا يكتفي منها بمجرد الإثبات العلمي والدراسة النظرية فإن من سمات السلف الظاهرة أنهم كانوا أشد الأمة لله تعظيماً وتمجيداً وثناء وعبادة فأثمر ذلك أنهم كانوا خير الأمة علماً ودعوةً وعملاً، فالإثبات النظري للأسماء والصفات يجب أن يرتبط بالشعور الإيماني والسلوك العملي، ومن الخطأ اختزال منهج الصحابة والتابعين وتابعيهم في باب الأسماء والصفات على جانب الإثبات النظري المجرد فإن الله سبحانه وتعالى ذكر أسماءه وصفاته ليعبده بها المؤمنون دعاء وطلباً ومسألة وثناء وحمداً، لذا لما كان الضلال في باب الأسماء والصفات يفضي إلى تخلف هذه الثمار وتعطيل ما أراد الله من معرفة الخلق به سبحانه وعبادتهم له اشتد نكير السلف على المعطلة والممثلة قال ابن القيم رحمه الله:"فلما تم للمعطلة مكرهم ترتب عليه الإعراض عن الله وعن ذكره ومحبته والثناء عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله وانصرف كثير من الخلق بحبهم وعباداتهم إلى غير الله تعالى إذ القلوب مفطورة على محبة المحسن المتصف بصفات الكمال فلما جرده المعطلون عن أسمائه وصفاته شُغل الخلق بغيره وانصرفوا عنه" (10) .
(1) مسلم ( 1108) .
(2) البخاري (6408) .
(3) مدارج السالكين:3/364
(4) الأعراف: آية ( 180) .
(5) الإسراء: آية (110) .
(6) متفق عليه: البخاري (2736) ، ومسلم ( 2677) .
(7) الزمر: آية (27) .
(8) مسلم (486) .
(9) أخرجه: أحمد (15754) ، وابن ماجه ( 181) وفيه وكيع بن حدس عن أبي رزين وحسنه الألباني.
(10) مدارج السالكين:3/367
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام ديناً ومحمداً صلى الله عليه وسلم نبياً رسولاً، أحمده لا إله إلا هو سبحانه بكرة وأصيلاً وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل، وخلق كل شيء فقدره تقديرا ً ?مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ? (1) .
فلا إله إلا الله والله أكبر عما يقوله المبطلون ويصفه الجاهلون وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه بعثه الله بخير ملة وأحسن شرعة أرسله إلى جميع الثقلين الجن و الإنس عربهم وعجمهم حاضرهم وباديهم ذكرهم وأنثاهم بعثه الله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وجعل بحكمته وعزته الذل والصغار على من كذبه وخالف أمره فصلى الله عليه في الأولين والآخرين وجزاه خير ما جزى أحداً من المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين وعلى سائر المؤمنين.