فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 9994

الحمد لله الثابت وجوده، العظيم جوده، الكثير موجوده، متجه العالم ومقصوده وربه ومعبوده، فله صلاةُ عبده وركوعه وسجوده، وتسبيحه وتهليله وتحميده، واستغفاره وتكبيره وتمجيده، وصومه وفطره وحجه وعيده، وعبادته كلها وتوحيده فهو العظيم الأكبر، وكل شيء دونه حقير وأصغر، وهو الغني عما عداه وكل شيءٍ سواه فقير إلى رحمته الواسعة وفضله الأكبر.

نحمده - تعالى- أن جعلنا مسلمين، وهدانا بكتابه المبين، وبسنة سيد المرسلين، إلى خير شريعة وأشرف دين، ونشكره عز وجل صيرنا مؤمنين، وبالحق قائمين، وعن الباطل مائلين، وسيجزي الله الشاكرين، فهنيئًا لمن شكر، وويل لمن كفر، والله غنيٌ عن العالمين، وإليه المصير والمستقر.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل الأعياد مواسم أفراح الطائعين، وأيام سرور المتعبدين، فما أعظم فرحة الصائم إذا أفطر، وما أكبر سرور الحاج إذا طاف ونحر ولبى وكبر، وجاء من عرفة وبات بالمزدلفة ورمى جمرة العقبة وحلق أو قصر.

ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المفضل، السيد العظيم المبجل.

اللهم! فصل وسلم على سيدنا محمدٍ النبي المرسل، بخير كتاب منزل، نبي الهدى، وبحر الندى، وأعظم الخلق جودًا وأكرمهم يدًا، وخير من حج وعج وثج وسبحل وحمدل وهلل، وضحى وعق وفدا وأهدى ونحر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان في كل أثر، ما قرأ الناس في هذا اليوم السعيد الأزهر: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} سورة الكوثر (1-3) .

أما بعد: لقد شرع الله للمسلمين في كل عام عيدين عظميين يظهرون فيهما شعائر دينهم الحنيف، وأمرهم يوم الفطر أن يخرجوا زكاة أبدانهم صاعًا من غالب قوت البلد يواسي به الفقير والمسكين والبائس الضعيف، ويوم النحر أمرهم بالأضاحي، وحثهم عليها وندبهم إليها، وجعل ذلك من أفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه الخبير اللطيف، وشرع الصلاة والخطبة التي يجتمعون لها فيشهدون الخير ويتعلمون الأحكام والتكاليف، ويسن الحضور للرجال والنساء، والصغار والكبار والعبيد والأحرار، والصحيح والمريض إذا استطاع، ولكل صعلوك وشريف، يرفعون أصواتهم بالتكبير ويسارعون في التبكير، ممسكين عن الطعام والشراب حتى يصلوا وعليهم السكينة والوقار، وقد لبسوا من الثياب كل جديد ونظيف، بمظهر العز والعظمة يبرزون لأعدائهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود.

فمن أدرك العيد وفهم حكمة التشريع بادر إلى الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأكثر من ذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله1.

أيها الإخوة: إن العيد مظهر من مظاهر الدين، وشعيرة من شعائره المعظمة، التي تنطوي على حكم عظمة ومعان جليلة، وأسرار بديعة، وليس العيد كما قد يظنه بعض الناس من أنه هو التسيب وترك العمل، والغفلة عن الله، والاكثار من المباحات، والمباهاة باللباس والمآكل والمشارب، بل ربما قد يظن البعض أن العيد معناه فعل ما يبغض الله من سماع الأغاني المحرمة، والاختلاط بين الرجال والنساء في الحدائق والمنتزهات.

وليس الأمر كذلك! إنما المقصود بالعيد شكر الله على تمام العبادة وإتقانها، ولذلك فإن الله لم يشرع للأمة المحمدية إلا عيدان وكل عيد جاء بعد الفراغ من أداء ركن من أركان الإسلام، فعيد الفطر جاء بعد إكمال صيام رمضان، وعيد الأضحى بعد الوقوف بعرفة والذي يعد ركن الحج الأعظم لقوله صلى الله عليه وسلم:"الحج عرفة"رواه الترمذي وأحمد.

قال ابن رجب - رحمه الله-: وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بمولاهم إذا فازوا بإكمال طاعته، وحازوا ثواب أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته؛ كما قال الله - تعالى-: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} سورة يونس (58) .

قال بعض العارفين: ما فرح أحد بغير الله إلا بغفلته عن الله، فالغافل يفرح بلهوه وهواه، والعاقل يفرح بمولاه.

ولما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم- المدينة كان لهم يومان يلعبون فيهما، فقال:"إن الله قد أبدلكم يومين خيرًا منهما يوم الفطر والأضحى"2. فأبدل الله هذه الأمة بيومي اللعب واللهو يومي الذكر والشكر والمغفرة والعفو.

ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد، عيد يتكرر فهو يوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع، وهو مترتب على إكمال الصلوات المكتوبات، فإن الله - عز وجل- فرض على المؤمنين في كل يوم وليلة خمس صلوات وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام، فكلما دار أسبوع من أيام الدنيا واستكمل المسلمون صلواتهم فيه شرع لهم في يوم استكمالهم، وهو اليوم الذي كمل فيه الخلق، وفيه خلق آدم، وأدخل الجنة، وأخرج منها، وفيه ينتهي أمد الدنيا فتزول، وتقوم الساعة، فالجمعة من الاجتماع على سماع الذكر والموعظة بالصيام.

وفي شهود الجمعة شبه من الحج، وروى: أنها حج المساكين. وقال سعيد بن المسيب: شهود الجمعة أحب إليَّ من حجة نافلة، والتبكير إليها يقوم مقام الهدي على قدر السيف فأولهم كالمهدي بدنة، ثم بقرة، ثم كبشًا، ثم دجاجة، ثم بيضة.

وشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب إلى الجمعة الأخرى إذا سلم ما بين الجمعتين من الكبائر؛ كما أن الحج المبرور يكفر ذنوب تلك السنة إلى الحجة الأخرى، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة".

فهذا عيد الأسبوع وهو متعلق بإكمال الصلوات المكتوبة، وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين.

أيها المسلمون! أما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام، وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة، فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان، وهو مترتب على إكمال صيام رمضان وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار، فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، وآخره عتق من النار، يعتق فيه من النار من استحقها بذنوبه، فشرع الله - تعالى- لهم عقب إكمالهم لصيامهم عيدًا، يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم ويرجعون من عيدهم بالمغفرة.

والعيد الثاني: عيد النحر، وهو أكبر العيدين وأفضلهما، وهو مترتب على إكمال الحج، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة، والوقوف فيه بعرفة فإنه ركن الحج الأعظم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:"الحج عرفة"ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدًا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة، وإنما لم يشترك المسلمون كلهم في الحج كل عام رحمة من الله وتخفيفا على عباده فإنه جعل الحج فريضة العمر لا فريضة عام، وإنما هو في كل عام فرض كفاية بخلاف الصيام فإنه فريضة كل عام على كل مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت