فهرس الكتاب

الصفحة 557 من 9994

الحمد لله اللطيف المنان الرحيم الرحمن الحمد لله الذي جعل هم المؤمنين في الآخرة منحة منه وفضلًا وجعل هم العابثين اللاهيين في الدنيا حكمة منه وعدلًا سبحانه وهو الرءوف الرحيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل في الحديث الحسن الذي ورد عنه ( من جعل الهموم هما واحدًا هم المعاد، كفاه الله هم الدنيا، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديتها هلك ) صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب ولا تقعدوا عن الأخذ بالأسباب في أمور حياتكم بحجة الزهد في الدنيا والتعبد لله فإن خير الناس محمد صلى الله عليه وسلم كان أزهد الناس في الدنيا وأكثرهم تعبدًا لله تعالى وأشدهم خوفًا له ومع ذلك لم يترك الدنيا كلها بل تزوج النساء وصلى ونام وأكل اللحم وصام وأفطر فلكم فيه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ولكن المقصود بهذا الحديث الذين غرقوا في الدنيا ونسوا الآخرة الذين يعملون للمال والمنصب والجاه والسلطان والزوجة والأولاد الذين يعقلون عن الله والدار الآخرة تارة ويرجعون تارة فالحديث إليهم أما الذي يحمل الهم الأخروي دومًا قلبًا وقالبًا إليك بعض صفاتهم:- علموا ما هو دورهم بوضوح ( إصلاح النفس - إصلاح غيرهم - استخدام وسائل الدنيا للوصول للآخرة بسلام) هذه مهمتهم في الدنيا العبادة لله وحده لا شريك له هم يعلمون أن الله يرحم ويغفر ويعفوا إلا أنهم لم يتكلوا على ذلك بل يندموا على كل تفريط وتقصير وذنب يقترفونه في جنب الله مهما صغر لأنهم علموا أن الذي يُعصى هو الله العظيم الجليل جل في علاه وتراهم يحزنون لمصاب المسلمين وما يقع عليهم من ظلم وجور وما يصيبهم من بلاء.إنها نفوس ملئت رحمة ورأفة بسبب هم الآخرة الذي غلب على قلوبهم. ولا يفهم من حزنهم هذا أن يكونوا عابسي الوجوه مقطبي الحواجب كلا فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يتألم لمصاب المسلمين وكان يبكي عليهم ومع ذلك يضحك ويداعب ويحادث الناس ولكن لكل مقام مقال.وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك وبقدر ما تحزن للدنيا بقدر ما يخرج هم الآخرة من قلبك ويصاحب هذا الحزن خوف من الله على المحاسبة يوم القيامة. ومن صفات صاحب الهم الأخروي المحاسبة الدائمة وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر ) فترى صاحب الهم الأخروي دائمًا محاسبًا لنفسه على كل قول أو فعل وقال الحسن البصري في تفسير قوله تعالى {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} القيامة: 2: هي والله نفس المؤمن، ما يرى المؤمن إلا يلوم نفسه ما أرادت بكلامي ؟ ما أردت بحديث نفسي ؟ والفاجر لا يحاسب نفسه وهذا الحزن وتلك المراقبة، لم تكن قيدًا يكبلهم في زوايا المساجد أو البيوت يبكون على أنفسهم ويتركون أهل الباطل والضلال دون إصلاح وإنكار لأنفسهم ولمن حولهم كلا بل الحزن الذي في قلوبهم هو المحرك لهذا العمل فيصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم ويصبرون على البلاء والأذى الذي يلاقونه، والمقصود بالعمل الصالح كل عمل يحبه الله تعالى من قول أو فعل ظاهر أو باطن. والصفة البارزة في حياتهم تأثرهم بمشاهد الموتى وحالاتهم فهم بسبب حياة قلوبهم يربطون كل أمر في الدنيا بالآخرة فالموت يذكرهم بدنو الأجل مما يجعلهم يدأبون في العمل للآخرة حتى يقدموا لأنفسهم عملًا صالحًا يرفعهم إلى أعلى الدرجات في الجنات وهذه بعض ابرز صفات أصحاب هم الآخرة، جعلني الله وإياكم منهم وغيرها كثير: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا.كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (الإسراء:20)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت