القضية الثامنة: الواجب أن يقتصد الإنسان في طلب الدنيا ولا يصاب بالسعار والهيام ورائها فكم رأينا ورأى الجميع الأسراب المتكاثرة في الاكتتابات ، وازدحام الطرقات والمصارف ، بل والقيام بالأسفار إلى دول مجاورة مع العنت والمشقة وترك الأهل والأولاد والوظيفة لأجل لمعان المكاسب وبريقها
وكم تساهل الناس في الطاعات والعبادات ورأينا أقواما تركوا صلة الرحم والاجتماع بالقرابة وقضاء حقوق الوالدين لأجل العكوف في صالات الأسهم أو أمام جهاز الحاسب يقول صلى الله عليه وسلم: (( قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنه الله بما آتاه ) ) [12] .
والقناعة أعظم كنز وإذا رزق العبد القناعة أشرقت عليه شمس السعادة .
ومن جميل ما يروى لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:
أفادتني القناعة كل عز *** وهل عز أعز من القناعة
فصيّرها لنفسك رأس مال *** وصيّر بعدها التقوى بضاعة
تحز ربحا وتغنى عن بخيل *** وتنعم في الجنان بصبر ساعة
وقال الشافعي رحمه الله:
رأيت القناعة كنز الغنى *** فصرت بأذيالها ممسك
فلا ذا يراني على بابه *** ولا ذا يراني به منهمك
وصرت غنياً بلا درهم *** أمرّ على الناس شبه الملك
وقال آخر:
اقنع بما ترزق يا ذا الفتى *** فليس ينسى ربنا نمله
إن أقبل الرزق فقم قائماً *** وإن تولى مدبراً نَمْ له
القضية التاسعة: ولا يجوز أن تنعكس آثار هذه الحادثة على الأسرة والأولاد أو الزوجة أو الإخوان بسبب الديون وتداخل الأموال وحصول الخسارة لأن هذا أمر خارج عن قدرة الإنسان فلا تضاعف خسارتك فتغضب من أي موقف ويتغير مزاجك ، وتتبدل أخلاقك على والديك وزوجتك وأولادك .
وبهذه المناسبة نذكر إخواننا الدائنين والمقرضين: أن يتقوا الله ويرحموا المعسرين وينظرونهم أو يتجاوزوا عنهم قال صلى الله عليه وسلم"من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله". أخرجه مسلم من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه .
القضية العاشرة والأخيرة: فلنعلم أن ما يقضي الله قضاءً للمؤمن إلا كان له فيه خير كما ثبت بذلك الخبر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فكم في هذه المحنة من منحة وفي هذه النقمة من نعمة ففيها عبر وعظات ودروس للجميع وفيها تقوية للمؤمن وتدريب له على الصبر وفيها النظر إلى قهر الربوبية وذل العبودية .
وفيها خضوع الإنسان لربه وانطراحه بين يديه ولولا هذه النوازل لم يُرى الإنسان على باب الالتجاء والمسكنة، والله تعالى يبتلى خلقه بعوارض تدفعهم إلى بابه يستغيثون به فهذه من النعم في طي البلاء: كم نعمة لاتستقل بشكرها لله في طي المكاره كامنة .
قال سفيان بن عيينة: (وما يكره العبد خير له مما يحب لأن ما يكرهه يهيجه للدعاء وما يحبه يلهيه) [13] .
ويقول المنبجي رحمه الله: وليعلم أهل الصائب أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب وما هو سبب هلاكه عاجلاً وآجلاً فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء وحفظا لصحة عبوديته وإستفراغاً للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائه كما قيل:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت *** ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
فلولا أنه سبحانه وتعالى يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا و بغوا وعتوا وتجبروا في الأرض وعاثوا بالفساد ، فإن من شيم النفوس إذا حصل لها أمر ونهي وصحة وفراغ وكلمة نافذة من غير زاجر شرعي يزجرها تمردت وسعت في الأرض فساداً مع علمهم بما فعل بمن قبلهم فكيف لو حصل لهم مع ذلك إهمال ؟ . اهـ
وفيها العلم بحقارة الدنيا وهو أنها أدنى مصيبة تصيب الإنسان تعكر صفوه وتنغص حياته وتنسيه ملاذه السابقة والكيس الفطن لا يغتر بالدنيا بل يجعلها مزرعة للآخرة .
وفقني الله وإياكم لاغتنام هذه الحياة بالباقيات الصالحات ، والتزود من أعمال الخير والبر .
قال تعالى: (( وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ) ) (البقرة: 197) .
اللهم أيقظ قلوبنا من الغفلات، وطهر جوارحنا من المعاصي والسيئات، ونقِ سرائرنا من الشرور والبليات.
اللهم باعد بيننا وبين ذنوبنا كما باعدت بين المشرق والمغرب، ونقنا من خطايانا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واغسلنا من خطايانا بالماء والثلج والبرد.
اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، وثبتنا على الصراط المستقيم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم اجعلنا من المتقين الذاكرين الذين إذا أساؤوا استغفروا، وإذا أحسنوا استبشروا.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، الذين يريدون أن تكون كلمتك هي العليا، اللهم ثبتهم وسددهم، وفرج همهم ونفس كربهم وارفع درجاتهم. اللهم واخز عدوهم من اليهود والنصارى، ومن شايعهم من الباطنيين والمنافقين، وسعى في التمكين لهم وتسليطهم على المسلمين، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وخالف بين كلمتهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين وعبرة للمعتبرين.
اللهم عليك بهم، اللهم زلزل بهم الأرض، وأسقط عليهم كسفاً من السماء، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيع والبدع والعناد والفساد، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ووفق أئمتنا وولاة أمورنا، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
[1] رواه أحمد والترمذي بسندٍ صحيح .
[2] متفق عليه .
[3] أخرجه أحمد والبيهقي وصححه الألباني .
[4] أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -
[5] ذكرها ابن القيم في عدة الصابرين ، ص124 .
[6] مدارج السالكين 2/172 ، 202 .
[7] أخرجه مسلم .
[8] رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
[9] فتح الباري - ابن حجر [ جزء 13 - صفحة 61 ] .
[10] بدائع الفوائد 2/432 .
[11] الجواب الكافي ، ص 73 .
[12] رواه مسلم
[13] الفرج بعد الشدة ، ص 22 .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ...
إخوة الإسلام: سُعار محموم، ولهو ولعب، وتفاخرً بالأموال والأولاد، غفلةً وصدود، وقسوةً في القلوب، ضعفً في العبادة، وانشغال عن الأهل والوالد والولد، وتفريطٌ في الواجبات وتشتت في الأفكار، وتلوث في الذهنيات تلكم حالٌ من أشغلتهم الدنيا، وغرقوا في بحار الطمع ..
نعم إنهاظاهرةُ لمن تأمل فالصغيروالكبير والذكر والأنثى والغني والفقير، والمتعلم والأمي.. كلهم يلهث وراء سراب الدنيا، أسهمٌ ومساهمات، ومشاريع واعتمادات، علاقات تجارية، ولقاءاتٌ واتفاقات اقتصادية تصغر أو تكبر ...
حديث المجالس - إلا ما ندر - هي الدنيا ومتاعُ الغرور ، والأخبار التي يسمع لها بعناية هي مؤشرات الأسهم وأسواق المال
لقد أصبح الذي لا حظ له في الأسهم والمساهمات والصفقات مسكيناً معزولاً .. وكادت مشيخةُ أصحابِ الأموال تنافس مشيخة العلمِ و منزلة العلماء ؟
ما الذي حدث؟ وكيف فُتن الناس بالدنيا إلى هذا الحد؟ وما أثر ذلك على حياتهم ؟ وكيف يتوازنون بين مطالب الدنيا والاستعداد للآخرة ؟
طَفَرات اقتصادية، وضخاً كبيراً في الأسواق، وعالم وأمم تتنافس في الاقتصاد وإعلام يثير ويهيّج ..والناس وقودً لهذه الأجواء المتنافسة، وضحيةٌ لهذا السباق المحموم .