فهرس الكتاب

الصفحة 8773 من 9994

ومن ذلك أنه سبب لتكفير السيئات, فعن حذيفة رضى الله عنه قال: كنا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة. قال: فقلت أنا. فقال: إنك لجرئ وكيف قال؟ قال: قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( فتنة الرجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: عمر ليس هذا أريد إنما أريد الفتنة التي تموج كموج البحر ) )والشاهد منه أنه قال: يكفرها وذكر منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. رواه مسلم (7) [7] .

ومن ذلك أنه من أسباب النصر وحصول التمكين في الأرض, قال تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر . عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم فمن أدرك ذلك فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينهى عن المنكر, ومن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) ) (8) [8] .

نفعني الله وإياكم بهدى كتابه, أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى غفرانه.

أما بعد فيا عباد الله: من فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه من عوامل خيرية هذه الأمة , قال الله تبارك وتعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله . قال شيخ الإسلام رحمه الله وكذلك الأمة بما وصف به نبيها حيث قال: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .

ولهذا قال أبو هريرة: (كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل والأغلال حتى تدخلوهم الجنة) يعني تدلونهم على الخير وإن كان ثقيلاً عليهم. وهذا كمال نفع الناس للناس, وسائر الأمم لم يأمروا كل أحد للخير ولم ينهوا كل أحد عن المنكر, ولا جاهدوا على ذلك ومنهم من لم يجاهد , ومن جاهد منهم كبني إسرائيل فكل جهادهم كان لدفع عدوهم عن أرضهم.

ومن فضائله أن القائمين به هم أهل الفلاح , قال الله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون . فإن القيام به سبب لمضاعفة الأجر فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن من أمتي قوماً يعطون مثل أجور أولهم ينكرون المنكر ) ) (9) [1] .

ومن ذلك أنه باب من أبواب الصدقات, فعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة(أي كل مفصل وفي الإنسان 360 مفصل) فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة )) (10) [2] . وحين اشتكى طائفة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم لا يجدون ما ينفقون, كان ما أرشدهم إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقد جاء أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور, يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. فقال: (( أو ليس الله قد جعل لكم ما تصدقون, إن لكل تسبيحة صدقة, وكل تكبيرة صدقة وبكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة ) )رواه مسلم (11) [3] .

(1) صحيح مسلم (49) .

(2) تقدم قريباً.

(3) صحيح مسلم (50) .

(4) صحيح البخاري (1284) ، صحيح مسلم (923) .

(5) سنن النسائي (4209) .

(6) مسند أبي يعليى الموصلي (6804) بمعناه.

(7) صحيح مسلم (144) .

(8) مسند أحمد (1/389) ، سنن الترمذي (2257) .

(9) مسند أحمد (5/375) .

(10) صحيح مسلم (720) .

(11) صحيح مسلم (1006) .

صالح بن عبد العزيز آل الشيخ

الرياض

جامع الطريري

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-فضل الصحابة رضي الله عنهم. 2- وصف النبي لأبي الدرداء بالحكيم. 3- ترجمة مختصرة لأبي الدرداء وما جاء في حكمته. 4- قول أبي الدرداء في الحث على العلم ومحبة أهله وفضلهم. 5- وقوع الخطأ من العلماء. 6- أبو الدرداء يحذر من خشوع النفاق. 7- هدي أبي الدرداء في كيفية التعامل مع العاصي. 8- النهي عن إشاعة المنكر والتحديث به.

الخطبة الأولى

أما بعد:

فيا أيها المؤمنون اتقوا الله حق التقوى.

عباد الله إن الله جل جلاله اختار فيما اختار رجالاً صالحين لصحبه محمد عليه الصلاة والسلام، اختارهم وهو جل وعلا يختار ما يختار لفضل منه جل وعلا ولحكمة وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة وصحابة رسول الله مدرسة عظيمة تربى عليها الناس فيما بعد، تربى عليها التابعون إذ رأوا أفعالهم وأخذوا أقوالهم وتدارسوها، وتربى عليها العلماء والصالحون فيما بعدهم حيث نظروا في أقوالهم وأخذوها دروساً وجعلوا يتدبرون ويتجملون فيها وليس من عجب إن كان ذلك كذلك.

لأنهم الصحب الذين رضي الله عنهم لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، وكان منهم المهاجرون وكان منهم الأنصار، والأنصار كانوا أنصاراً لرسول الله نصروا دينه لما تخلت عنه عليه الصلاة والسلام قريش وتخلت عنه القبائل فيما حول مكة، فأقبلوا على دين الله ونصروه بألسنتهم ونصروه بأعمالهم ونصروه بسيوفهم وأرواحهم.

فرضي الله عنهم أجمعين كفاء ما بذلوا وكفاء ما عملوا وكفاء ما أدوا لهذه الأمة ونقلوا دين الله إلى الناس أجمعين.

كان من هؤلاء من وصفه النبي بأنه حكيم هذه الأمة فيما روى عنه عليه الصلاة والسلام من وجه مرسل فقال عليه الصلاة والسلام: (( حكيم هذه الأمة أبو الدرداء ) ).

وأبو الدرداء هذا صحابيٌ من الأنصار، خزرجي، هو عويمر بن زيد بن قيس، وقيل: عويمر بن عامر، كان عبداً صالحاً، وكان سيداً من سادات القراء، لم يجمع من الصحابة القرآن كاملاً على عهده عليه الصلاة والسلام إلا نفر قلائل كان منهم أبو الدرداء وأرضاه، أسلم أبو الدرداء ، أسلم يوم بدر بالمدينة وشهد مع رسول الله أحدٌ والمشاهد بعدها.

ولما رأى النبي حاله يوم أحد، حاله في دفاعه عن النبي لما تفرق عنه الناس قال: نعم الفارس عويمر، وكان أبو الدرداء بيتاً للحكمة وبيتاً للعلم، بهذا ولاه عمر بن الخطاب قضاء دمشق وتوفي بدمشق في آخر خلافة عثمان، كان له أصحاب، وكان يعظ الناس بكلامه لكي يتأثر الناس، وكان يعظ الناس بعمله، بعمل صادق، فجمع في الوعظ وجمع في الهداية بين العمل والخوف، تأثر الناس بعمله وتأثر الناس بقوله.

وإنه لمما ينبغي علينا أيها المؤمنون أن ننظر في أقوال صحابة رسول الله لننظر كيف نقلوا الإسلام قولاً وعملاً إلى الناس بعدهم إلى زماننا، وكل صالح يرجى في الناس فإنما يكون بالنظر في حال صحابة رسول الله وبتدارس أقوالهم والنظر في أعمالهم، ففي النظر في أعمالهم ما يجعل المرء ذا همة قوية في طلب الحق وفي الجهاد والاجتهاد في العلم والعمل، وبالنظر إلى أقوالهم يكون المرء في مدرسة وفي تربية يفقدها إذا لم يُقبل على هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم ويدرسوا أقوالهم ويتدبروا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت