فهرس الكتاب

الصفحة 7927 من 9994

إخوة الإسلام: حتى تتضح الصورة بجلاء عن أدبيات القتال في الإسلام، دونكم هذا الهدي النبويّ فتأمّلوه، وهو خير شاهد على ما نقول. أخرج مسلم في صحيحه عن بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرا على جيش، أو سريّة، أوصاه في خاصّته بتقوى الله، و بمن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: (( اغزوا، على اسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا و لا تغُلّوا، و لا تغدروا، و لا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوّك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك إليها، فاقبل منهم، وكفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا، فأخبرهم بأنهم يكونون كأعراب المسلمين، و لا يكون لهم في الغنيمة و الفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم، فإن هم أبوا فاستعن عليهم بالله تعالى، وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل ذمة الله و ذمّة نبيّه، فلا تفعل، ولكن اجعل لهم ذمّتك؛ فإنكم إن تخفروا ذمتكم أهون من أن تخفروا ذمّة الله، وإذا أرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تفعل، بل على حكمك؛ فإنك لا تدري أ تصيب فيهم حكم الله تعالى، أم لا؟ ) ) [4] .

هذا الحديث الشريف الصحيح يصف أحسن وصف للجهاد في سبيل الله، من مصدره الأصلي المشرع صلوات الله و سلامه عليه و ما تتصف به تلك الحروب الإسلاميّة من العدل والإنصاف، وما تتحلى به من الرحمة، وما تهدف إليه من البر والإحسان و ما تتمسك به من العهود و المواثيق، وأنها بخلاف ما يصفها به أعداء الإسلام، من القسوة، والعنف، وغير ذلك من الأوصاف التي يلحقونها بها، إما جهلا، و تقليدا، وإما عداوة و حقدا.

قوله: (( قاتلوا من كفر بالله ) )هذا هو الهدف من الجهاد، وهو قتال الكفّار؛ ليدخلوا في دين الإسلام، فإذا دخلوا في الإسلام، ودخل الإيمان قلوبهم، عرفوا أنّ قتالكم لهم إمّا علاج لأنفسهم، ودواء لقلوبهم المريضة بالكفر، والشرك بالله تعالى، (( و إن ربك ليعجب من رجال يقادون إلى الجنة بالسلاسل ) )، فلولا قاعدة الجهاد في سبيل الله، لفسدت الأرض ببقاء الكفر و الضلال، وامتداد الجهل، والظلام، قال تعالى: (( وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ) (البقرة: 251)

وباختصار: فمن آداب الحروب الإسلاميّة و الجهاد في سبيل الله: التقوى، و الاعتماد على الله تعالى، والدعوة إلى الخير، والدخول في دين الله تعالى، فإذا دخل الإنسان في الإسلام، فليس هو مستعمرا، ولا مسترقّا، ولا مضطهدا، وإنما هو مسلم له ما للمسلمين، عليه ما عليهم.

فإن لم يجيبوا إلى الإسلام، فلهم الجزية في البقاء على دينهم، على أن يؤدّوا جزية، هي لحقن دمائهم، والحفاظ عليهم من عدوّهم، ورعاية مصالحهم..

فإن أبوا عن هذا، حوصروا على الوقوف في وجه الدعوة، فلم يدعوها تبلغ المستعدين لقبولها فالمسلمون مضطرون لقتالهم لتصل دعوة الله و دينه حيث أراد الله تعالى، فإذا قام قتال المسلمين مع عدوهم، فإنه قتال رحمة، فكل من لا علاقة له بالقتل لا يقتل، فلا يقتل شيخ كبير، ولاراهب في معبده، ولا صبيّ، و لا امرأة، وإنما يوجّه القتال إلى المقاتلين المعاندين، الصادّين عن دين الله تعالى، ثم إن هذ القتال ليس قتال ثأر و لا انتقام، يحصل به تمثيل، وتشويه للقتلى، فلا تمثِّلوا.

وإذا أبرم عهد مع العدوّ، فاليحافظ على الوفاء به و التزام شروطه و بنوده.

تلك طائفة من آداب القتال عند المسلمين و حين تقارن بحروب غير المسلمين الماضية أو المعاصرة يتبين الفرق بجلاء، وهو كالفرق بين النور والظلام، بل هو باختصار الفرق بين الإسلام وبين الجاهلية، وبين المسلمين و بين من لا خلاق لهم.

وبقدر ما يتأخر المسلمون عن القيادة تحل النكبات و يسود الظلم و الظلمات، و صدق الله (( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ) (الرعد: 11) .

فهل يغيّر المسلمون حالهم لتتغير الأحوال من حولهم؟

[1] البخاري: 2810, و مسلم 3/ 1512 .

[2] تفسير ابن كثير: 4/ 22 .

[3] ابن القيم, زاد المعاد: 3/ 231 .

[4] أخرجه مسلم 1731 .

الحمد لله ؛ يقلب الليل والنهار ، ويمضي الشهور والأعوام؛ لتعلموا عدد السنين والحساب ، نحمده على ما منَّ به علينا من إدراك رمضان ، والمعونة على الصيام والقيام ، ونسأله أن يختم لنا شهرنا بالقبول والرضوان ، والعتق من النار ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا يتعاظمه شيء أعطاه ، فمنذ خلق الخلق وهو يغدق النعم عليهم ، ويدفع النقم عنهم ، وما نفدت خزائنه ، ولا حُبِس عطاؤه ( يده ملأى لا تغيضها نفقة سحاءُ الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يده ) سبحانه وبحمده ، وتبارك اسمه وتعالى جده ، ولا إله غيره ، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله ؛ بعثه الله تعالى رسولاً إلى الناس ليخرجهم من عبودية الخلق إلى عبودية الخالق ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، فبلغ رسالة ربه ، وأدى أمانته ، ونصح لأمته ، فجزاه الله عنا وعن المسلمين خير ما جزى رسولاً عن أمته ، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أهل البر والتقى ، ودعاة الخير والهدى ، ومن تبعهم بإحسان واقتفى.

أما بعد:

فاتقوا الله - عباد الله - وأطيعوه ، فهاهو شهر التقوى قد آذن بصرم ، وأزف رحيله بما أودع العباد فيه من أعمالهم ، فهنيئاً لمن عمره بذكر الله تعالى ، ويا خسارة من مضى عليه ولم يكتسب فيه أعمالاً صالحة.

أيها الناس:

تنقضي الدنيا كما ينقضي عمر الإنسان ، ويمضي عمر الإنسان كما يمضي رمضان ، فبالأمس القريب كان الناس يستقبلون شهرهم ، وهم الآن يودعونه ، وهكذا يولد الإنسان كما يولد هلال الشهر ، ومهما طال عمره في الدنيا فإنه نسي ما فات ، ويؤمل فيما هو آتٍ ، وليس دون أمل الإنسان إلا الموت ؛ فإنه قاصم الأعمار ، وقاطع الآمال ، قال النبي عليه الصلاة والسلام ( قلب الشيخ شاب على حب اثنتين: حب العيش والمال ) وفي لفظ ( يهرم بن آدم وتشب منه اثنتان: الحرص على المال والحرص على العمر ) رواه مسلم.

والدنيا كلها مثل عمر الإنسان لها بداية أذن الله تعالى بها ، ولها نهاية قدرها سبحانه وتعالى ، وهو عز وجل من يعلم نهايتها {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً } الأحزاب63 أعلمتم خبر آلاف السنين التي مضت من عمر الدنيا ، وقرأتم أو سمعتم تاريخ الأمم المتعاقبة من لدن آدم عليه السلام ؛ فإنه لم يبق منها إلا بعض ذكرها ، وليس لأفرادها إلا ما استودعوا صحائف أعمالهم ، منهم أمم عاشت آلاف السنين ، وأفراد تجاوزوا المئين ، ونوح عليه السلام قضى من السنين في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ، والله تعالى أعلم كم كان عمره كاملاً ، فأين تلك الأمم ؟ وأين من عمروا فيها طويلاً؟ لقد مضوا إلى ربهم ، وكأنهم ما عاشوا في الدنيا إلا قليلاً!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت