فهرس الكتاب

الصفحة 3198 من 9994

#الطهارة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

إن من أهم الأمور التي يجب الاعتناء بها في حياة العبد هي: معرفة الطريق الذي يوصله إلى الله، ثم سلوكه والثبات عليه حتى الممات.. ولما كانت الغاية من خلق الإنسان هي عبادة الله -تعالى- وطاعته، وكانت هي الطريق الموصل إليه.. وكان من أنواعها الصلاة وهي الصلة الوثيقة بين الله وعبده.. لزم على الإنسان المسلم أن يعرف ما يصلح هذه الصلاة وما يفسدها، وما الذي تتم به هذه العبادة الجليلة، من شروط تشرط لها وأحكام تخصها، وإننا بإذن الله تعالى سنتحدث عن أعظم شرط من شروط الصلاة، وهو الشرط الذي يذكره الفقهاء دائماً في أول كتبهم الفقهية - ألا وهو الطهارة - لأن الصلاة لا تتم إلا بطهارة كاملة: طهارة الماء، والمكان، والبدن..

الطهارة:

لما كان الماء هو الأصل الذي يتم به الوضوء ورفع الحدث عن العبد لتصح صلاته ونحوها، كان لا بد من معرفة الماء الذي يرفع الحدث، ويزيل الخبث..

أنواع المياه:

أولاً: الماء الطاهر المطهر: الطاهر في نفسه المطهر لغيره؛ لأن عنصر الماء ومادته الأصل فيها أنها طاهرة لقوله -تعالى-: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً طَهُورًا} سورة الفرقان: 48. وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الماء طهور لا ينجسه شيء) 1 ، وهذا الماء يسمى الماء المطلق، أي الذي لم يخالطه غيره من أي شيء كان سواء في لونه أو طعمه أو رائحته.

وأما المطهر: فهو الذي يطهر غيره، فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره، يرفع به الحدث، ويزيل النجاسة، فاجتمع فيه الوصفان: طاهر الذات والمادة.. ومطهر للنجاسات ورافع للحدث.

وقد أجمع العلماء على أن ذلك الماء يرفع الحدث، وتزال به النجاسة.

ثانياً: الماء الطاهر غير المطهر: وهو الماء الذي خالطه شيء من الطاهر أو ألحق إلى اسمه وصف لازم بالإضافة أو بغيرها كقولنا: ماء الورد؛ لأنه أضيف إليه الورد، فخرج بهذا التقييد عن كونه مطلقاً. وحكم هذا الماء أنه: طاهر في نفسه فيجوز شربه واستخدامه في كل شيء.. إن غلب ذلك الوصف أو التقييد، ولكنه لا يرفع الحدث، ويزيل النجس، لأن إزالة النجس لا يشترط فيها كون المزيل ماء مطلقاً أو باقياً على أصل خلقته، وإنما يكفي أن يزال بأي شيء طاهر، أيا كان ذلك الشيء. قال شيخ الإسلام قدس الله روحه"وأما إزالة النجاسة بغير الماء ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد أحدها: المنع كقول الشافعي وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمدوالثاني: الجواز كقول أبي حنيفة وهو القول الثاني في مذهب ملك وأحمد والقول الثالث: في مذهب أحمد أن ذلك يجوز للحاجة كما في طهارة فم الهرة بريقها وطهارة أفواه الصبيان بأرياقهم ونحو ذلك والسنة قد جاءت بالأمر بالماء في قوله لأسماء"حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء"وقوله في آنية المجوس"إرحضوها ثم اغسلوها بالماء"وقوله في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد"صبوا على بوله ذنوبا من ماء"فأمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة ولم يأمر أمراً عاماً بأن تزال كل نجاسة بالماء وقد أذن في إزالتها بغير الماء في مواضع منها الاستجمار بالحجارة ومنها قوله في النعلين ثم"ليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور"ومنها قوله في الذيل"يطهره ما بعده"ومنها أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ثم لم يكونوا يغسلون ذلك ومنها قوله في الهر"إنها من الطوافين عليكم والطوافات"مع أن الهر في العادة يأكل الفأر ولم يكن هناك قناة ترد عليها تطهر بها أفواهها بالماء بل طهورها ريقها ومنها أن الخمر المنقلبة بنفسها تطهر باتفاق المسلمين وإذا كان كذلك فالراجح في هذه المسألة أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان زال حكمها فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة لما في ذلك من فساد الأموال كما لا يجوز الاستنجاء بها"2

وعليه فالماء الذي خالطه زعفران، أو صابون، أو عجين، إذا خرج عن إطلاقه بحيث لا يتناوله اسم الماء المطلق، فهو طاهر في نفسه مزيل للنجس غير رافع للحدث. فإن خالطه ذلك وبقي على إطلاقه.. فهو رافع لهما معاً. وقد خالف في ذلك أبو حنيفة، وذهب إلى أن ما خالط الماء من شيء طاهر فإن الطهارة تصح به، حتى لو تغير اسم الماء المطلق، ما عدا الماء الذي طبخ به.

ثالثاً: الماء النجس: هو الماء الذي تغير أحد أوصافه الثلاثة - الرائحة أو الطعم أو اللون- بنجاسة واقعة فيه.. فهذا الماء لا يجوز استعماله ما دام على حالته تلك، سواء في رفع الحدث أو إزالة النجس، وقد اتفق العلماء على ذلك؛ إلا أن الخلاف حصل في كمية هذا الماء الذي وقعت فيه النجاسة.. هل كل ماء وقعت فيه النجاسة ولم تغير أحد الأوصاف الثلاثة نجس أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك فقالت طائفة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت