وعند البخاري: (( رحم الله رجلا سمحا إذا باع و إذا اشترى، و إذا اقتضى ) ) [9] .
وفي حديث عمرو بن عبسة قلت: (( ما الإيمان؟ قال: الصبر و السماحة ) ) [10] .
لا إله إلّا الله، كم في السماحة من خير..و كم هي سبيل للنجاة في اليوم العصيب و إن كان صاحبها مفلسا من عمل الخير..قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيئ إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن العسر، فقال الله: نحن أحقّ بذلك منه، تجاوزوا عنه ) ) [11]
أيها المؤمنون: و من حياة السلف دروس في السماحة و التجاوز استحقّوا بها درجا الخبان، فقد ورد أن عثمان رضي الله عنه اشترى من رجل أرضا فأبطأ عليه، فقال له: ما منعك من قبض مالك. قال: إنك غبنتني فما ألقى من الناس أحدا إلا وهو يلومني، قال: أو ذلك يمنعك؟ قال: نعم، قال: فاختر بين أرضك و مالك، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أدخل الله عزّ و جلّ الجنّة رجلا كان سهلا مشتريا و بائعا و قاضيا و مقتضيا ) ) [12] .
ومن السماحة إقالة العثرة، يروى عن على رضي الله عنه قال: (( أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر عاثر إلا و يده بيد الله يرفعه ) ) [13] .
والسماحة من خلق الكرماء..وأين هذا ممن يتتبعون العورات، أو يفرحون بالسقطات، دون مناصحة وتلطف في القول؟
قيل من عادة الكريم إذا قدر غفر و إذا رأى زلّة ستر [14] .
ومن حكم الشعر قيل في السماحة:
وإني لأستحي و في الحق مسمح إذا جاء باغي العرف أن أتعذّرا
وقال الشافعي رحمه الله:
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ودافع ولكن بالتي هي أحسن
وأبلغ من ذلك كله..إن الله يجزي المتصدقين.. إن الله يحبّ المحسنين.. (( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) ) (سورة الأعراف: 199)
جعلناالله من المحسنين والمتصدّقين ورزقنا السماحة في أقوالنا وأفعالنا، وهدانا سبل السلام.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله...
الخطبة الثانية
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة و السلام على سيّد المرسلين...
إخوة الإسلام: وحين تضطرب الموازين ينبغي أن يعلم أن السماحة المنضبطة بضوابط الشرع قوة لا ضعف، وأن السمح عظيم وليس بالرجل البسيط فليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب..و بقي أن نعلم الوسائل لاكتساب السماحة و الأسباب الجالبة لضدها.
ومن وسائل اكتساب السماحة..
1-التأمّل في الترغيبات التى رغّب الله بها من يتحلّى بالسماحة، والفوائد التي يجنيها أصحاب السماحة في الدنيا و الآخرة، فهم أسعد الناس في الدنيا لذكرهم الحسن و هم أصحاب حظ كبير في الآخرة.
2-التأمل في المضارّ والمحاذير التي يقع فيها نكد النفس فهو قلق ضجر متعب لنفسه وللآخرين..هذا فضلا عن إفلاسه يوم القيامة حين يأتي و قد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا فأولئك خصوم ودائنون صعب الخلاص منهم.
3-الإيمان بالقضاء والقدر والرضاء بما قسم الله للإنسان و ما قدره عليه كل ذلك يمنح المسلم رضا وتسليما وطيب نفس وسماحة، وطمأنينة.
4-ترويض النفس على خلق السماحة و العفو و الصفح و الكرم حتى تستأنس بهذه الأخلاق العالية و تألفها..فالمجاهدة طريق لتربية النفوس على المكارم.
5-الاقتداء و الاعتبار بأهل السماحة و في مقدّمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أمّا أسباب الجفا و الشدة و البخل وضيق العطن- و هي ضد السماحة- فمنها:
1-تغليب طبيعة النفس الرديئة، و الاستسلام لإغواء الشيطان و نزغاته، و عدم الاستعاذة من شرّه وكيده.
2-التعلّق بالدنيا واعتبارها كلّ شيئ فلها يحب ولها يبغض و من أجلها ينافح..فصاحبها لا يهمّه ما حلّ أو حرم..أو أبيح أن نهي عنه، بل الحلال ما وقع بيده..إنها أنانيّة تجعل المرء لا يفكّر إلا بنفسه ولا يستشعر مشاعر الآخرين أو يقدر أحاسيسهم، ولذا يظلمهم ويسيئ إليهم.
3-ومن أسباب الشدة والجفا ضعف الإيمان بالقضاء والقدر، والتحسّر على كل فائت و الحرص على كل محبوب للنفس وإن كان فيه حتفها أو كان سببا لهلاكها.
الحرص والمسابقة والعزيمة ينبغي أن تكون لأعمال الآخرة..والسماحة والسهولة والقناعة والزهد ينبغي أن تكون للدنيا..هكذا علّمنا ديننا و أرشدنا نبيّنا صلى الله عليه وسلم.
يا مسلم: تخلّق بأخلاق الكرام، و خذ بنفسك إلى جميل المروءات، واصبر على ما أصابك فإنّ ذلك من عزم الأمور، ومهما كان فينا من نوازع الشر و هنات الأخلاق، فلا بد من الحديث مع النفس وترويضها على جميل الأخلاق.
أذكّر نفسي و إيّاكم بآثار الأخلاق الفاضلة في الدنيا والآخرة، ويكفي أنّ صاحب الخلق محبوب مرموق عند الناس، وهو عند الله يوم القيامة بمكان يبلغ درجة الصائم القائم الذي لا يفتر.
أيها المسلمون: بالأخلاق الفاضلة ندعو الآخرين للإسلام، وبالسماحة واليسر نظهر الجانب المشرق من أخلاقنا و قيمنا و مكنوز حضارتنا.
تعود الحياة صفوا لا كدرا حين يفي الناس للأخلاق الفاضلة -و منها السماحة و اليسر- تتقلص مساحة الشحناء، وتردم هوة المنازعة و البغضاء..بالالتزام بأخلاقيات الإسلام يأمن الناس على حقوقهم ويطمئنّون إلى معاملة الآخرين، فلا غشّ ولا ظغينة ولا احتيال و لا نصب..و يتعلّم غير المسلمين من المسلمين كيف تكون المعاملة بالحسنى وكيف يكون العدل مع البر والفاجر و الصديق و العدوّ.
إننا بحاجة إلى خلق السماحة نطهر بها أنفسنا من الغلّ والبخل، ونرسم في مجتمعاتنا شعائر المحبّة والإخاء..حتّى إذا أصرّت فئة أو طائفة على خلاف ذلك وجدت في مجتمع المؤمنين رفضا عمليا لأخلاق الجفاء، واستنكارا جماعيا لموارد الهلكة والشحناء.
اللهم كما أحسنت خلْقنا فأحسن خُلُقنا، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرفنا عن سيّئها لا يصرف عن سيّئها إلّا أنت، اللهم إنا نعوذ بك من الهمّ والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل..
[1] نظرة النعيم 6/ 2287, 2288 بتصرف
[2] تفسير السعدي عند آية الجاثية.
[3] رواه أحمد 1/ 236 بإسناد حسن (الفتح 1/ 94) .
[4] رواه البخاري الحديث (رقم 29) .
[5] الفتح: 1/94-95.
[6] رواه أحمد و صحح إسناده أحمد شاكر 3/ 54 .
[7] وصححه الألباني في صحيح الجامع 1/ 330 .
[8] رواه الطبراني في الأوسط, و قال الهيثمي رجاله ثقات (مجمع الزوائد 4/ 75.
[9] الفتح 4/ 2076.
[10] رواه أحمد 4/ 385, و انظر نظرة النعيم 6/ 2296 .
[11] رواه مسلم: 1561.
[12] رواه أحمد و صحح إسناده أحمد شاكر و رواه النسائي و حسنه الألباني (صحيح النسائي/ 4379) .
[13] المستطرف1/272 عن نظرة النعيم 2/ 2299 .
[14] السابق 6/ 2299 .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره...
أيها الإخوة المؤمنون: أخرج ابن أبي الدنيا من طريق أسامة بن زيد عن أبي معن قال: لقي عبد الله بن سلام كعب الأحبار عند عمر رضي الله عنه فقال يا كعب من العلماء؟ قال: الذين يعملون بالعلم، قال: فما يذهب العلم من قلوب العلماء قال: الطمع، وشره النفس، وتطلب الحاجات إلى الناس، قال: صدقت.