هذه كلمات جامعة، وصفات عزيزة غالية، ما أحوج الأمة إلى توفر أصحابها، وما أسعد عيش أربابها بهذه النوعية من العلماء يعرف الحق، وبهم وعلى أيديهم يكتب الله الهداية والاستقامة للخلق، يدفعون عن هذا الدين انتحال المبطلين، ويقومون ما اعوج من سلوك أصحاب الشهوات والمترفين، ويبينون للناس ما خفي من أحكام الدين، يعيشون هموم الأمة فيفرحون لعزها ويسعدون بانتصارها، ويحزنون لمصابها ويقلقون لآلامها.. يتجردون من ذواتهم ويعيشون لغيرهم، يفتون السائل، ويعلمون الجاهل، وينصحون الغافل، ويتحملون في ذات الله ما يصيبهم من المصائب والمحن، بهم تحيا السنن، وبجهودهم ونصحهم تقمع البدع.، بصدقهم وإخلاصهم يقوى جانب الأمر بالمعروف، ويعتز الآمرون وبتجردهم وقوتهم ويوهى جانب المنكر ويذل المبطلون، بهم لا يلتبس الحق بالباطل ولا يستوي الأخيار مع الأشرار، ولا تروج بضاعة النفاق ولا يسود المجتمع المنافقون هم حراس الأمة من المتسللين الأدعياء، وهم صمام الأمان إذا أحدقت بالأمة الخطوب وتناوشتها الأخطار، هم النجوم تضيء إذا تاه الدليل، أو تغيرت معالم الطريق، هذه النوعية من العلماء على الرغم من جدها وجهادها فهي مبتلاة في نفسها وأعراضها.. فالسهام موجهة إليها، والحسدة والمغرضون لا يألون جهداً في التقليل من شأنها، وكيل التهم الفارغة لها.. ولا يزيدها ذلك عند الله إلا علواً في الشأن، ولا عند الخلق إلا مريدا من الرفعة والمحبة والذكر الحسن.
وسأسوق لكم نموذجاً لهؤلاء العلماء العاملين الذين لم يسلموا من أسهم الموتورين فكانت سبباً لعلو شأنهم واستمرار ذكرهم عبر القرون.
حديث اليوم عن الإمام الشافعي مجدد الدين في القرن الثاني الهجري عالم عصره، وفقيه الملة، وصفه الذهبي بالثقة، الحجة، الحافظ [1] .
قال عن نفسه- رحمه الله- حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وكنت أقرئ الناس وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وحفظت الموطأ قبل أن أحتلم [2] .
وقال عنه الإمام أحمد- رحمه الله-: وقد سئل عنه: لقد من الله علينا به، لقد كنا تعلمنا كلام القوم وكتبنا كتبهم حتى قدم علينا، فلما سمعنا كلامه علمنا أنه أعلم من غيره ت وقد جالسناه الأيام والليالي فما رأينا منه إلا كل خير [3] .
وكان أحمد إذا سئل عن مسألة لا يعرف فيها خبراً يقول فيها بقول الشافعي لأنه إمام قرشي [4] .
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له ؟ قال يا بني: كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس فهل لهذين من خلف أو منهما عوض ؟ [5]
ولا غرو أن يدعى لمثل هذا في الصلاة، قال الإمام أحمد رحمه الله: وإني
لأدعو للشافعي منذ أربعين سنة في صلاتي [6] .
هذا العالم الجهبذ كان مثالاً للزهد والورع وهو القائل: ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا مرة فأدخلت يدي فتقيأتها وذلك لأن الشبع يثقل البدن ويقسي القلب، ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف عن العبادة [7] .
وهو نموذج يحتذى في العبادة واستثمار الوقت بما ينفع، وقد نقل عنه أنه كان يجزئ الليل أثلاثاً، فثلثه الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام [8] .
فإذا كان هذا شأنه في الليل فلا تسأل عن عبادته وحديثه في الطلب في النهار.
ومع حرصه على العلم وحثه على طلبه حتى قال: طلب العلم أفضل من النافلة [9] فكان يزينه التواضع والتجرد في طلب العلم وهو القائل: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط [10] .
وقال رحمه الله: ما كابرني أحد على الحق ودافع إلا سقط من عيني،ولا قبله إلا هبته واعتقدت مودته [11] .
وهو داعية خير وناصح أمين لكل متردد أو شاك متحير، و أنظره كيف يجذ الصورة للسائل في وسوسة الإيمان، ويقنعه بالحجة والبرهان، فقد جاء المزني إلى الشافعي وهو يقول: إن كان أحد يخرج ما في ضميري وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي، فصرت إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوت بين يديه قلت هجس في ضميري مسألة في التوحيد فعلمت أن أحداً لا يعلم علمك فما الذي عندك؟ فغضب ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم، قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت لا، قال: هل تعلم من الصحابة؟ قلت: لا، قال: تدري كم نجماً في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه أفوله، مم خلق؟ قلت: لا، قال فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه ؟ ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها، ففرعها على أربعة أوجه فلم أصب في شيء منه فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه وتتكلف علم الخالق ؟
إذا هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى الله وإلى قوله تعالى: (( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، إن في خلق السموات والأرض ) )الآية فاستدل بالمخلوق على الخالق ولا تتكلف علم ما لم يبلغه عقلك قال: فتبت [12]
وكذلك يضيء العلماء الطريق للحيارى، ملأ هذا العالم الدنيا علماً نافعاً،
وذكراً طيباً، ونشر الله بجهوده الملة، وحفظ به وبأمثاله الفقه والسنة، ولا تزال مدونات العلم تشهد بفضله وتخلد ذكره.. حتى إذا حانت منه ساعة الرحيل خاف الوعيد ورجا ربه العفو والتسديد، وقد دخل عليه المزني وهو في مرضه الذي مات فيه فقال: يا أبا عبد الله: كيف أصبحت؟ فرفع رأسه وقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً، ولسوء عملي ملاقياً، وعلى الله وارداً، وما أدري روحي تصير إلى جنة فأهنيها أو إلى نار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ يقول:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت رجائي دون عفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته *** بعفوك ربي كان عفوك أعظماً
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل *** تجود و تعفو منة وتكرماً
بان تنتقم مني فلست بآيس *** ولو دخلت نفسي بجرمي جهنماً
ولولاك لم يغو بإبليس عابد *** فكيف وقد أغوى صفيك آدماً
وإني لآتي الذنب أعرف قدره *** أعلم أن الله يعفو ترحماً [13]
اللهم عفوك ورحمتك وغفرانك، اللهم اغفر لأئمة المسلمين وألحقنا بركب الصا لحين ... أقول ما تسمعون ...
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين أحاط بكل شيء علماً، ووسعت رحمته الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قضى بالرفعة والفضل لأهل العلم والإيمان ولو كره المبطلون، وكتب على كل بشر قدره من الفتنة والبلوى، وعلى قدر الإيمان يكون البلاء، فلأشد الناس بلاء الأنبياء عليهم السلام ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كما صح بذلك الحديث.. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ناله أصناف الأذى واتهمته قريش بألوان من التهم فأظهره الله عليهم والعاقبة للتقوى اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى سائر المرسلين.
إخوة الإيمان: الإمام الشافعي الذي أطبق في الخافقين ذكره، وانتفع العالم بعلمه لم يسلم من حسد الحاسدين، ولم يكن بمنأى عن تقول المتقولين، وتناوشته سهام المتكلمين، شأنه في ذلك شأن المتقدمين والمتأخرين كما قال الإمام الذهبي رحمه الله وهو يصف هذه الظاهرة ويقول: ونال بعض الناس من الشافعي غضاً، فما زاده ذلك إلا رفعة وجلالة، ولاح للمنصفين أن كلام أقرانه فيه بهوى، وقل من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا وعودي، نعوذ بالله من الهوى [14] .
ويحدد الذهبي- في موضع آخر- أصناف الذين يتكلمون في أهل العلم ويتهمونهم بغير حق، وأثر ذلك على العالم فيقول: (( وما تكلم فيه- يعني الشافعي- إلا حاسد أو جاهل بحاله، فكان ذلك الكلام الباطل منهم موجباً لارتفاع شأنه وعلو قدره.