أقول هذا القول، واستغفر الله لي ولكم، ولجميع المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي الأعلى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الصدق والوفاء، والوقار والحياء، وعلى من تبعهم بإحسان وسلم تسليماً، أما بعد:
فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله تعالى والزموا الحياء، فإنه خيرٌ وهدى، واقتدوا بنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، فلقد كان أشدَّ حياءاً من العذراء في خدرها، أي: أشدَّ حياءً من البكر حينما تخلو بالزوج الذي لم تعرفه من قبل.
عباد الله:
ويقابل الحياء البذاء والجفاء، قال صلى الله عليه وسلم:"الحياء من الإيمان، والأيمان في الجنة، والبذاءُ من الجفاء، والجفاء في النار". [أخرجه الترمذي، وسنده حسن] .
والبذاءُ الفحش في الكلام، وهو من شُعب النفاق، وما دخل القبح والفحش في أمر إلا عابه وأفسده، قال صلى الله عليه وسلم:"ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه". [رواه الترمذي وابن ماجة بسند حسن] .
إن منزوعَ الحياء لا تراه إلا على قبيح الخصال، ولا تسمع منه إلا رديء الكلام؛ لسانٌ بذيء، هُمَزَةٌ لُّمَزَة، يتركه الناس اتقاء فحشه، فمجالسته ضرر، وصحبته شر، وكلامه بذاء.
أيها المسلمون:
لا ينبغي أن يكون الحياءُ سبباً في عدم طلب العلم أو الصدع بالحق وبيانه، فهذا عجزٌ وخور، وضعف واستكانة، بل خنوع وتقصير ومهانة، فهذا أعظم الناس حياءاً صلى الله عليه وسلم حينما، كلّمه الحبيب إليه أسامةُ في شأن المخزومية التي سرقت، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال:"أتشفع في حدٍ من حدود الله".
والحياء لم يمنع نساء الأنصار رضي الله عنهم أن يسألن عما خفي عليهن من الأحكام. قالت عائشة رضي الله عنها:"رحم الله نساء الأنصار؛ لم يمنعهن الحياءُ أن يسألن عن أمر دينهن".
فأين الحياء الحقيقي من نساء المسلمين اليوم؟!.
أَمَا وُجِدَ من النساء في هذا الزمن من لا تبالي بالحجاب؟!.
أَمَا وُجِدَ من النساء الخرّاجة الولاّجة في الأسواق صباحاً ومساءاً؟!، مع التجمل والتبرج وقلة الحياء وممازحة السفهاء من الباعة.
أَمَا وُجِدَ من بنات المسلمين من تلبس اللباس الفاضح الذي يكشف صدرها ونحرها ومواطن أخرى من بدنها؟!.
أَمَا وُجِدَ من بنات المسلمين من تمازح وتضاحك ذئاب البشر عبر الهاتف في غيابٍ من وليها أو إهمال منه؟!.
فيا لله كم أوقعت هذه المحادثات الهاتفية في بلاءٍ وتلف وكم دنست من شرف وهتكت من عرض.
فأين القوامة يا معشر الرجال؟!.
وأين القيام بالمسئولية وأداء الأمانة؟!.
إن أعظم زينةٍ ولباسٍ للمرأة خاصة هو الحياء، فإذا ذهب الحياء فما قيمة الحياة والبقاء؟!.
يا عباد الله:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
نعم، إنما الأمم بحيائها، وعفافها ودينها وصدقها.
ألا فلنعلم جميعاً: إن أعظم ما يهدد حياء الأمة وأخلاقها هو هذه الأطباق الهوائية والقنوات الفضائية،التي يروّج لها ويستعملها من لا حياء عنده، فهو يشاهد المنكر وظاهر الأثم وباطنه، بلا حياء من الله، ولا من الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها المسلمون:
ألا فاتقوا ربّكم، وَرَبُّو أنفسكم ومن تحت أيديكم على خلق الحياء، واجعلوه خالصاً لله سبحانه: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) .
وفقني الله وإياكم لما يرضيه، وهدانا جميعاً صراطه المستقيم، إنّه جواد كريم.
نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يرزق نساءهم الحشمة والعفة، وأن يحفظ شبابهم من فتنة الشبهات والشهوات إنه جواد كريم.
ثم صلوا وسلموا على نبي الرحمة والهدى، نبينا محمد بن عبد الله القرشي، إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين.
اللهم صل وسلم عليه، وعلى آله الطيبين وخلفائه الراشدين وصحابته أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، أنزل القرءان رحمة للعالمين، وأصلى وأسلّم على البشير النذير؛ محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، و من سار على نهجهم، واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أيها الإخوة في الله:
لقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم أمته، أوصاهم بكتاب الله تبارك وتعالى، فقال عليه الصلاة والسلام:"لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً؛ كتاب الله وسنتي". فالزموا كتاب الله يا عباد الله، والزموا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
أيها الإخوة في الله:
هل رأيتم في البيوت ولدا طالحاً وأباً صالحاً؟!. هل رأيتم في بعض البيوت أباً طالحاً وولدا صالحاً ؟!. هل رأيتم في بعض البيوت أباً صالحاً وولداً صالحاً؟!.
تلك نماذج أخبرنا عنها الله تبارك وتعالى في كتابه، ومن ثَمّ فسيكون حديثي معكم عن شيء من علاقتي الآباء والأبناء، والأبناء بالآباء في القرءان الكريم.
ونبدأ بالنموذج الأول؛ يقول الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر قصة نوح عليه الصلاة والسلام وقد دعا قومه، دعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وانه رسول الله، يقول الله تبارك وتعالى:
(وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ * حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ * وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) .
أيها الإخوة:
إنّ نبي الله نوح عليه الصلاة السلام بذل جهداً عظيماً في دعوة قومه، بذل جهداً كبيراً في دلالة قومه إلى الهداية والى السعادة، ودعاهم كما دعا الرسل جميعاً، دعاهم إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله. وأن يعبدوا الله وحده لا شريك له، وقد مكث نوح عليه الصلاة والسلام في قومه ما لم يمكثه رسول ممن أخبرنا الله تبارك وتعالى عنهم، مكث فيهم كما أخبر الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً) .