وقد نوّع نوح عليه الصلاة والسلام دعوته في قومه، فدعاهم ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، بالأساليب المختلفة المتنوعة، ولكنهم أبوا، أبوا إلا الفرار والإعراض عن الله، وعن رسوله نوح عليه وعلى نبينا أفضل السلام.
أيها الإخوة:
كيف نشأت عبادة الأصنام عند قوم نوح؟!.
لقد ورد في ذلك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبادة الأصنام في قوم نوح نشأت أول ما نشأت من الصور، فإنّ آدم عليه الصلاة والسلام وذريته كانوا على الإيمان، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، وكانوا جميعاً على الإيمان، ثم لما أخذت عبادة الأصنام تبدأ فيهم من خلال عبادة الصور، فقد جاءهم إبليس وقال لهم: لو أنكم صورتم صور الصالحين من أصحابكم في أماكن العبادة لتتقوّوْا بهم على العبادة، فظنّوا أن هذا لا بأس به، فصوروهم فلما فعلوا جاءهم الشيطان بعد مضي أجيال، وقال لهم:"إن أصحابكم السابقين لم يصوروهم فقط ليتقوّوْا بهم، وإنما صوروهم لعبادتهم".
فمن هنا نشأت عبادة الأصنام، وأصبحوا يضعون هذه التماثيل أمامهم، يعبدونها من دون الله تبارك وتعالى: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً) . وهذه أسماء رجال صالحين كانوا من قوم نوح، عُبدوا عن طريق الصور.
وإذا كان نوح عليه الصلاة والسلام قد بذل ذلك الجهد الكبير في دعوة قومه، فكيف سيكون جهده في دعوة أهل بيته؟!.
لقد أخبرنا الله تعالى عن امرأة نوح أنها كانت كافرة، قال الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) . ولما كانت امرأة نوح كافرة كان لها تأثيراً على أحد أبنائها، فبقي على الكفر، ولقد بذل نوح جهداً كبيراً في دعوة قومه، وفي دعوة أهل بيته، ولكن الله تعالى يقول: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) .
وقد كفر قوم نوح، وقالوا لنوح عليه السلام: (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ...) . ومعنى قولهم: (بَادِيَ الرَّأْيِ) أي: إن هؤلاء الذين يسمونهم الأراذل هم الذين استجابوا لنوح عليه الصلاة والسلام، فقالوا عنهم: إنهم استجابوا لك بسرعة بغير رويّة، ولا فهم ولا تدبر.
وهذه بلا شك وصمة يصفون بها كل من استجاب لنداء الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مادحا للصديق:"ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبى بكر، فإنه لم يتلعثم".
أيها الإخوة:
لقد كانت الأجيال تمضي ونوح عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام، وقد ورد في بعض الآثار أن الرجل من قوم نوح كان إذا أدركته الوفاة أوصى ابنه بأن لا يستجيب لنوح أوصى ابنه أن يعادي نوحاً، ويعادي الذين آمنوا، ولكن الله تبارك وتعالى وهو الذي ينصر رسله: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) . فقد استجاب سبحانه وتعالى لنداء نوح بعد أن مكث فيهم زمناً طويلاً يدعوهم إلى الإسلام، ويدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فلما يئس منهم دعا ربه تبارك وتعالى قائلاً كما اخبر تبارك وتعالى عنه: (وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) . ويقول تبارك وتعالى عن نوح: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) . وانتصر الله تبارك وتعالى لنوح، وكان في السفينة، وكان الغرق في قوم نوح، وفي أمم الأرض جميعاً، ولم ينجُ مع نوح عليه السلام إلا القلة القليلة، وقيل: كانوا اثني عشر رجلاً. وقيل: كانوا سبعين. وقيل: كانوا ثمانين. وهذا عدد قليل بالنسبة للألف سنة إلا خمسين عاماً، والتي دعا فيها نوح قومه، ولكن هذه العصبة المؤمنة نجاها الله تبارك وتعالى في السفينة مع نوح، وأغرق الله أهل الأرض جميعاً، فليعتبر المعتبرون.
أيها الإخوة المؤمنون:
ليعتبر المعتبرون في مصارع الطغاة ومصارع المكذبين:
أين ذهب الملا من قوم نوح؟!. أين ذهب الملا من قوم هود؟!. أين ذهب الملا من قوم صالح؟!. أين ذهب الملا من قريش؟!؛ أين ذهب أبو جهل، وأبو لهب؟!. وأين ذهب شيبة وعتبة ابني ربيعة؟!. وأين ذهب عقبة بن أبي معيط، والذين كانوا يعادون رسول الله وأصحابه؟!. أين ذهبوا؟!.
لقد بقي للمؤمنين الذكر الطيب، وبقيت للمؤمنين السمعة الطيبة؛ يذكرهم الناس فيقتدون بهم، ويذكرون أولئك فيدعون عليهم، وشتان بين هؤلاء وهؤلاء.
لتعتبروا أيها الإخوة في مصارع الطغاة في الزمن القديم، والحديث.
أيها الإخوة:
إن نوحاً عليه السلام بلّغ دعوة ربه، وحرص كثيراً على هداية ابنه، وكان عليه السلام في دعوته لابنه قد استمر يدعوه ويدعوه، حتى والمطر ينزل، حتى والأرض تنبع بالماء، والله تبارك وتعالى أمر نوحاً عليه الصلاة والسلام أن يحمل في السفينة أهله والذين معه، وأن يحمل في السفينة من كلٍّ زوجين اثنين.
وبينما كانت الأمواج تتلاطم إذا بابن نوح قد ابتعد قليلاً، ولكن الأب الرحيم نوح ينادي ابنه: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ) . لقد ناداه: يا بني اركب معنا، اركب معنا لتنجوا، ولكن الابن الضال، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أبى ورفض، وقال: (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء) .
وأخبر الله تعالى عن نوح أنه قال لابنه: (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ) . وكانت النتيجة: (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) .
وبعد الغرق تتحرك العاطفة في الأب، ويقول هذا الأب مخاطباً ربه تبارك وتعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ {46} قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) .
وهنا يظن البعض أن معنى قوله تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) . أنّه ليس من ذريته، وأنه ولد زنى، لقوله تعالى عن امرأة نوح ولوط: (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) .
وهذا فهم خاطئ تماماً، بل إن امرأة نوح لم تخن نوحاً في عرضها، ولم تخن امرأة نبيّ نبيّاً قط، وإنما خانته في أنها كانت تتآمر مع قومه الكفار ضد نوح والذين آمنوا معه، وقيل إنها كانت تكشف أسرار نوح، وقيل أنه إذا دخل رجل في الإيمان ذهبت امرأة نوح إلى قومه، وقالت لهم: إن فلاناً دخل في الإسلام فيأتون إليه فيسومونه سوء العذاب.