أمّا أنها كانت تخونه في عرضها فلا، وهذا كان بالفعل ابناً له، لكن الله قال: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) . أي إن ابنك هذا ليس من اهلك الذين أخبرتك ووعدتك أنهم الناجون، لأن الله قال: (وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) . ونوحٌ دعا ربه تبارك وتعالى أن يكون ابنه من الناجين، لكن ابنه كان من الذين سبقت عليهم الضلالة.
أيها الإخوة المؤمنون:
لو كان أحد يستطيع أن يهدي أحداً لاستطاع نوح أن يهدي ولده، ولاستطاع إبراهيم أن يهدي أباه كما سيأتي بعد قليل، ولكن الهداية بيد الله تبارك تعالى.
أيها الإخوة المؤمنون:
إنّ نوحاً لما رأى أنّ ولده هذا مات على الكفر والشرك، ومات على الضلالة وغير الهدى، ولما رأى أن ولده هذا مات وخرج من هذه الدنيا وهو على الشرك بالله تعالى، كانت له ولمن بعده عبرة.
أيها الإخوة في الله:
إنّ هذه القصة تعطينا دلالة مهمة جداً يجب أن نقف عندها:
هل رابطة النسب تفيد؟!. هل رابطة القرابة تفيد؟!. هل رابطة القومية أو رابطة الأرض تفيد؟!. ورابطة اللغة، أو غيرها من الروابط: هل تفيد أحداً؟!.
لو كانت تفيد لأفادت هؤلاء، لكن لما اختلفت العقيدة، ولما تباينت، تباينت هذه الروابط جميعاً، وأصبح الذي يؤلف ويجمع بين الناس إنما هو كلمة لا إله إلا الله، هي التي تجمع بينهم.
أما الروابط الأخرى من اللغة والدم والنسب أو الوطن، أو غير ذلك فإنها روابط مؤقتة، وليست بشيء عند الله أبداً، والله تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: (لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ...) .
ويقول تبارك وتعالى: (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ...) .
ويقول تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ...) .
وهكذا نرى أيها الإخوة المؤمنون في قصة نوح عليه الصلاة والسلام وابنه حرص الأب حرصاً شديداً على هداية ابنه، ولكنه لما تبين له أنّه على الضلال تبرأ منه، واعتبر أنه ليس من أهله، وأنّه يمثّل عملاً غير صالح كما أخبر الله تعالى في كتابه العزيز.
ونقف عند نموذج آخر، أخبرنا الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز عن هذا النموذج في قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه.
يقول الله تبارك وتعالى: (وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) . ويقول تبارك وتعالى مبيناً كيف دعا إبراهيم عليه السلام أباه، يقول الله تبارك وتعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً) .
وقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام طويلة جداً ومعروفة، وقد كسّر الأصنام، ولما علم بذلك قومه جمعوا الناس، وكان في ذلك منهج لإبراهيم عليه السلام أن يتحداهم بكسر الأصنام حتى يؤدي بهم هذا الأمر أن يجمعوا الناس أمام الملا، ولما جمعوا الناس ليحاسبوا إبراهيم عليه السلام: (قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إبراهيم * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) . وهكذا فُضِحوا.
وموسى عليه السلام لما دعا قوم فرعون عليه السلام: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) . كي يشاهد الناس ما يحدث ويطلعوا عليه.
والغلام الذي قص علينا رسول الله عليه الصلاة والسلام قصته لما عجز الملك عن قتله، فقال للملك:"إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وما هو؟! قال تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام. ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام. ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم، فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام...".
وهذا منهجٌ وأسلوبٌ للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى.
لقد كان إبراهيم عليه السلام حريصاً شديد الحرص على دعوة قومه، فقد بدأ دعوته بدعوة أبيه، وكان اسم أبيه (آزر) وقيل أنه كان يصنع الأصنام ويبيعها للناس.
وإبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا أباه بألطف عبارة، منادياً له قائلا: (يَا أَبَتِ...) ، (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً) .
أسلوب رقيقٌ لطيفٌ من إبراهيم لأبيه، ثم يأتي ويقول له: إنني ابنك، وأنا اصغر منك، ولكني (قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ) . إنني رسول من الله تبارك وتعالى، إنني قد جاءني من العلم ما لم يأتك، فاتبعني أهدك الصراط المستقيم، ويحاول، ويحاول ويقول لأبيه (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ) . فإن هذه الأصنام عبادتها عبادةٌ للشيطان، و (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً) ، وبهذه الأساليب الرقيقة، وبهذه الأساليب العلمية المقنعة يدعو إبراهيم أباه، يدعوه إلى الإسلام.
ولكن كيف كان الجواب؟! كيف كان جواب الأب لإبراهيم؟!.
لقد كان جواباً قاسياً: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إبراهيم) أي: أتارك أنت عبادتها؟! (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ) عن سب أصنامي وأوثاني التي أعبدها ويعبدها الناس من دون الله (لَأَرْجُمَنَّكَ) بالحجارة أو بالسباب أو بالشتم (وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً) يقول لابنه: اهجرني زمناً طويلاً، ولا تتعرض إلي، وقال ابن جرير الطبري:"اهجرني سالماً قبل أن تصبك عقوبتي"، وهكذا كان جواب الأب لابنه الذي دعاه بالأسلوب الرفيع الطيب، فهل غضب إبراهيم من قول أبيه؟!.
لقد جاء جواب إبراهيم لأبيه من غير غضب، فلم يفقد صوابه، ولم يفقد أدبه مع أبيه، وإنّما قال له: (سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) . وهذه طريقة المؤمنين: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) . (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) .