فهرس الكتاب

الصفحة 7783 من 9994

إبراهيم عليه السلام يقول مجيباً لأبيه: (سَلَامٌ عَلَيْكَ) أي: أمّا انأ فلا أنال منك مكروهاً ولا أذىً، و (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) أي: كان بي لطيفاً ورحيماً، وقيل: أي عودني إن يجيب دعوتي. وسال إبراهيم ربه أن يغفر لأبيه، واستمر بعد ذلك مدة طويلة حتى بعد فراق قومه، وفراقه الشام ومجيئه إلى مكة وبنائه للبيت الحرام، فان الله تبارك وتعالى أخبر عن إبراهيم أنه دعا بعد بناءه البيت، قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) . ثم يقول الله تبارك وتعالى بعد ذلك أنه دعا فقال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) . فإلى هذا الوقت وهو يدعو، يدعو الله ليغفر لأبيه، وأن يدله على الهداية، وأن يجعله من عباده المؤمنين، وهذا يدل على عِظَم شفقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وحرصه على هداية أبيه.

ولقد كان هذا منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهج أصحابه من بعده، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حرص على هداية أقرب المقربين إليه، فدعا أعمامه، ودعا أقاربه، دعاهم إلى الهداية، وحرص على هداية عمه أبي طالب حتى قبيل وفاته، لكن كما قال الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) .

والصحابة رضي الله عنهم كان الواحد منهم حينما يدخل الإسلام يذهب إلى أهل بيته، ويدعوهم إلى الإسلام؛ يدعو أباه ويدعو ابنه، ويدعو زوجه، يريد لهم الهداية، يدعوهم إلى النجاة يوم القيامة، وأبو هريرة الصحابي الجليل، المكثر من الحديث، رضي الله عنه وأرضاه، راوي الحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً، اسلم سنة سبعين للهجرة، ولازم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولازم أصحابه ملازمة الظل لظله، حتى دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالحفظ، فكان يحفظ ولا ينسى، أبو هريرة الذي دعا أمه للهداية.

وتصوروا أيها الإخوة، أبو هريرة الذي حفظ آلاف الأحاديث، وحدّث بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تصوروا: كيف تكون دعوته لامه؟!.

ولقد دعاها، لكنها أبت أن تدخل معه في الإسلام، وأبو هريرة يحاول معها ليلاً ونهاراً، ولكنها رفضت أن تدخل في الإسلام، ولما يئس هذا الصحابي الجليل وهو يعلم أن الهداية بإذن الله، وهو يعلم أن الهداية بيد الله، ولو كانت بيد احد لهدى الرسول صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب، يعلم ذلك، ولكنه لا ييأس، ولما بلغ به الأمر منتهاه، ودعا أمه في إحدى الأيام، ولكنها رفضت رفضاً قاطعاً أن تدخل في الإسلام، فأصابه حزن عميق، فأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بكي، فقال:"يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام، فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: اللهم اهد أم أبي هريرة".

فرجع أبو هريرة آمناً بهذا الدعاء، آمنا أن يستجيب الله لرسوله، ذهب ليحاول مع أمه يوماً أو يومين أو شهراً، أو شهرين، أو سنة، أو سنتين، لعلها تبلغها هذه الدعوة المباركة، وذهب إلى أمه، ولما أراد أن يدخل إلى بيته وجد الباب مغلقاً، ففتح الباب فلما فتح الباب سمع خضخضة الماء، فقالت له أمه: دونك، انتظر قليلاً. فلما انتظر قليلاً، وإذا به يرى أمه قد اغتسلت، وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فاستجاب الله لدعائه، استجاب الله دعاءه، فرضي الله عن الصحابة أجمعين، وألحقنا بهم، آمين يا رب العالمين، وهدى الله أولادنا وآباءنا وإخواننا وزوجاتنا وأمهاتنا، وكل من لنا صلة به يا رب العالمين.

أيها الإخوة المؤمنون:

إن إبراهيم دعا أباه فلم يستجب، واستغفر لأبيه، ودعا ربه فلم يستجب له، ومات الأب على الشرك، يقول الله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ {113} وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ) . أي: تبرأ منه لما رأى أنه على الشرك، ولما رأى أنه عدو لله تعالى.

وإبراهيم عليه السلام كان أمّة، وكان قدوة لهذه الأمة، واختصه سبحانه وتعالى من دون الأنبياء (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) . ولما أمر الله تبارك وتعالى باتباع إبراهيم، ودلّ أنه قدوة، بيّن هذه المسالة، فقال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ...) . أي اقتدوا بإبراهيم فيما سبق، إلا قوله: (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) . فلا تستغفروا للمشركين، لأنهم رضوا أن يكونوا مشركين، ولأنهم رضوا أن يكونوا بعيدين عن عبادة الله الواحد الأحد الحكيم.

وهكذا أيها الإخوة يكون أسلوب إبراهيم رقةً وعطفاً وحناناً، ودعاءاً من القلب، كي يهدي الله أباه، فلما أبى تبرأ إبراهيم منه.

وستكون لإبراهيم عليه السلام قصة في يوم القيامة أخبرنا عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء، وفي كتاب التفسير، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصيني؟! فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟! فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟! فينظر فإذا هو بذيخ ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار".

يريد إبراهيم أن ينظر تحت رجليه، فإذا هو بزيخ؛ يرى أباه قد مُسخ زيخاً، والزيخ هو ذَكَرُ الضّباع. فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في نار جهنم.

هكذا يحرص إبراهيم على هداية أبيه حتى يوم القيامة، حتى يوم القيامة أيها الإخوة.

أيها الإخوة:

علينا أن نتدبر ونتعظ من هذه القصة، كيف حرص إبراهيم عليه السلام على هداية أبيه؟! وقد يوجد منا من يكون أبوه ضالاً، أو منحرفاً، فما هو دور الابن هنا؟! ما دور الابن مع أبيه؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت