فهرس الكتاب

الصفحة 7784 من 9994

هل يتبرأ من أبيه من أول مرة أو يحرص كل الحرص مع الاحترام والتقدير والأدب الشديد مع أبيه، يحرص كل الحرص على هدايته ودلالته؟! ينوّع الأساليب، يبحث عن الوسائل المختلفة، يدعوه إلى الله بالأساليب المختلفة.

وإن كان لا يستطيع فليوصِ من يدعو أباه، ويدعو الله في جوف الليل أن يهدي أباه وهكذا، وإذا رأى من أبيه ما يغضب الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

إن قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه تعطينا درساً في علاقة الابن مع والده؛ محبة وإشفاقاً واحتراماً وحرصاً على هدايته، وحرصاً على أن يكون معه يوم القيامة في الجنة، حرصا على أن يكون هو وإياه على سرر متقابلة عند الله تعالى، وهذا هو المنهج الصحيح في الدعوة.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، وبعد:

أيها الإخوة المؤمنون:

ونمر بعد ذلك إلى النموذج الثالث، حين تكون الأسرة مؤمنة، حين يكون الأب مؤمناً، والولد مؤمناً فبماذا يوصي بعضهم بعضاً؟! بماذا يوصي بعضهم بعضاً أيها الإخوة؟!.

(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) .

ولقمان رحمه الله اختلفوا في نبوته، والصحيح أنّه كان عبداً صالحاً، وروي أنّه كان في أول حياته يرعى الغنم، وكان مولى أحد الناس، ولكنه لما تخلق بالأخلاق رفع الله منزلته إلى منزلة عالية، فصار يبلغ الحكمة للناس، وقد روى ابن جرير عن عمر بن قيس قال:"كان لقمان عليه السلام عبداً أسود غليظ الشفتين، فكان جالساً في مجلس مع أناس، فجاءه رجل وهو يحدثهم، فقال له: ألست أنت الذي ترعى الغنم في مكان كذا وكذا؟! قال لقمان: نعم. قال فما بلغ بك ما عرفت قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني". وفي رواية أنه قال"قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وترك ما لا يعنيك وترك ما لا يعنيك". وفي رواية قال:"إن الذي أوصلني إلى ما ترى: غضي بصري، وكفّ لساني، وعفّتي طعمتي، وحفظي فرجي، وقولي بصدق، ووفائي بعهدي، وتكرمتي لضيفي، وحفظي لجاري، وتركي ما لا يعني. فذلك الذي صيرني إلى ما ترى".

فبماذا أوصى لقمان ابنه؟!.

لقد أوصى لقمان الصالح ابنه بعدة وصايا، ينبغي أن نقف عندها قليلاً، وأول وصية أوصى بها لقمان لابنه أن يحذر من الشرك بالله تبارك وتعالى، فقال: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) . لقد دعاه إلى التوحيد وحذره من الشرك، والشرك لا شك أنه ظلم عظيم، ولذلك لما نزلت: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) قال الصحابة رضي الله عليهم:"وأينا لم يظلم نفسه يا رسول الله؟!". وخافوا، فانزل الله تبارك وتعالى هذه الآية وهي قول لقمان (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) .

الوصية الثانية: أنه أمره ببر الوالدين، فقال: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) . فأوصى لقمان ابنه بالإحسان للوالدين، وحتى لو كانا مشركيْن فالابن مأمور بالبر بهما وبصلتهما.

والله تعالى يقول: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) . وانتبهوا أن الله تبارك وتعالى ما قال: وإن جاهداك على أن تشرك بي فاشتمهما وسبهما وحاربهما، وإنما قال فقط: (فَلَا تُطِعْهُمَا) . وقال: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) .

فالإنسان مأمور بالإحسان إلى والديه ولو كانا على شرك، لكن إذا أمراه بالشرك فـ:"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

ويلاحظ أن الله تبارك وتعالى دائما يوصي الابن بالبر بوالديه، ولم يرد نص فيه وصية الأب على ولده أو الأم على ولدها، لأن عناية الأب والأم بولدها أمر فطري، فهما يحرصان كل الحرص عليه، ولكن الابن هو الذي قد يعق والديه، ولذا أوصى الله بالإحسان إلى الوالدين، وقارن ذلك بعبادته وحده لا شريك له: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) .

ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الكبائر عدَّ منها عقوق الوالدين، فالابن مأمور أن يحسن إلى والديه، وان لا يعقهما، وان يصاحبهما إذا كانا مشركين، أن يصاحبهما في الدنيا معروفاً.

ثم تأتي الوصية الثالثة من وصايا لقمان لابنه، يقول لقمان: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) .

لقد أوصاه بمراقبة الله تبارك و تعالى، وأن الله مطلع عليك، وإن أي عمل تعمله جلّ أو بخس، كثر أو قل، فالله تعالى يحصيه ويعلمه، وقد كتب كل ذلك في كتاب (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) . فأوصاه أن يراقب الله في أفعاله، وفي أقواله، وفي تصرفاته، وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما أورد الإمام احمد في مسنده أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله كائناً ما كان".

فيا أيها العبد، راقب ربك ولا تشرك به، واعلم أن الله مطلع على كل خطوة من خطواتك، وكل روحة من روحاتك، وكل فعل من أفعالك، وكل تصرّف من تصرفاتك.

واعلم أن الله تبارك وتعالى مطلع عليك فراقبه واعمل صالحاً، وابتعد عن السيئات لأنّ الله تبارك وتعالى يقول: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) .

أما الوصية الرابعة فهي أن أوصاه بالصلاة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) .

لقد أمره بالصلاة والصلاة هي عمود الإسلام، وأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمره على أن يصبر على ذلك لأن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فلا بد أن يناله أذى الناس، ومن ثمَّ فهو مأمور بالصبر على أذاه.

أما الوصية التي بعدها، فهي وصية فيها آداب وأخلاق حميدة، يقول الله تبارك وتعالى (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) . أي: لا تمشِ في الأرض بطراً لما لك من مال أو جاه، معجباً بنفسك، لأنّ هذه صفة مذمومة، أي: امش متواضعاً بالسكينة، لا مشية البطر والتكبر.

ثم أوصاه: (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) واخفض من صوتك، واغضض من صوتك في أدبك مع الناس، وأدبك مع ربك، وأدبك مع المؤمنين، ولا ترفعه، لأن أبشع الأصوات وأنكرها هي صوت الحمير لان لها أصوات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت