فقد وجَّهَ أحدَ أصحابهِ - وهو بعدُ حديثُ عهدٍ بالإسلام - إلى أن يقودَ سريةً فيها من أمثالِ أبي بكرٍ وعُمر، وأبي عبيد ةَ وأمثالهم- رضي الله عنهم- أجل، لقد أمرَ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- عمرو بن العاص- رضي الله عنه- على سريةِ ذاتِ السلاسل، في السنةِ الثامنةِ للهجرة ، ولم يجد الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- ولا صحابته في أنفسهم شيئاً لتأميرِ المفضولِ مع وجود الفاضل ،إنَّها القدراتُ تُستثمر، والرجلُ المُناسبُ يُوضعُ في المكانِ المناسب، ولا يعني ذلك بحالٍ الأفضليةِ المطلقةِ للأميرِ ولمن وُلي ، ولا التقليلُ من شأنِ المأمورِ ومن وَليَ عليه، ما لنفقهَ هذه المعالمَ النبويةِ في ولاية، والتعاملُ مع القدارت .
إنَّهُ صلاح الذات ليس مؤهلاًً - وحدهُ - لتولي أمورِ الناسِ كما أنَّ صاحبَ المطامعِ الشخصية ، وضعيفَ الأمانة ، ورقيقَ الديانة لا يُولَّى ولو كان خبيراً بالسياسة ، قادراً على القيادة ، ومن هُنا نعودُ إلى القرآنِ لنجد فيه شرطين مهمين لمن يُولي ويُستأجر (( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) ) (القصص: من الآية26) فالقوةُ والأمانةُ جناحانِ يطيرُ بهما من رُشِّح لولايةٍ في الإسلام إلى برّ الأمان، ومراقِ العزةِ والكرامة ، وتحقيقِ العدل والسعادة ، وفي مجتمعٍ كمجتمعنا الأصلُ فيه الخير ، والغالبيةُ همُ الأخيارُ لدينا، فُسحةٌ في اختيارِ الأمثلِ من الأخيار.
يا أيَّها المُشرحُ لنفسك:
أعقل هذه الوصايا ، وقدِّر هذه الأمانة ، واعلم أنك مسؤولٌ ومُستأمن ، ولا يغب عن بالك أنَّ ثقةَ الناسِ بك لا تكونُ بنصبِ الخيام الفارهة، ولا باستئجارِ القصورِ الفخمةِ ، ولا بتوفيرِ الموائدِ المتنوعة، كلاَّ .
إنَُّ الواثقَ من نفسهِ لا يحتاجُ لمثلِ هذا، قدر ما يحتاجُ إلى تفكيرٍ مستديمٍ في شُغل هذه المسؤوليةِ بما ينفعُ البلاد والعباد ، ولا يُطلبُ من المرشحِ وعودٌ كلامية، وبرامجٌ مثالية، تتطايرُ كالهباءِ عند أوَّلِ وهلةٍ من محطاتِ الطريق !
إنَّ الواقعيةَ مطلبٌ ، والمصداقيةُ شرطٌ للمرشح ، ولا بُدَّ أن يكونَ المرشحُ عند حُسن ظن من رشحوهُ بتنفيذِ ما وعد به ، حتى يعلمَ الناسُ ما أنجزَ وحدودَ صلاحياته ، وما لم يُنجز، وهي من صلاحيات غيره .
أيَّها السادةُ المرشحون:
تجاوزوا في ترشيحاتكم حدودَ العشيرةِ، ودائر القبلية ، والأهواءَ الشخصية ، وضعوا الأمانةَ في موقعها ، واختاروا الأكفاءَ الناصحين، الأقوياءَ الأُمناء ، ألا وإنَّ الترشيحاتِ لوحةٌ كاشفةٌ لتوجهاتِ المجتمع ، ومؤشرٌ لوعيهم ، ومحددةٌ لنوع ثقافتهم، فليكنِ المرشحون من خيارِ الناس عدلاً وحكمةً ودرايةً ، إنَّ وضعَ الرجل المناسبُ في المكانِ المناسبِ هو عينُ الحكمةِ، ومن الظُلمِ أن نضعَ الرجل في غيرِ موضعه ، واللهُ كما قسَّم أرزاقَ الناسِ وأخلاقهم، قسَّم كذلك قدراتهم ومواهبهم .
عباد الله:
ومرةً أُخرى، بلادنا تمرُ بمرحلةٍ انتقاليةٍ، فلنكن إيجابيين وفاعلين ، ولتكن قدرتَنا على استثمارِ هذه التجربةِ الانتخابية، لوحةً كاشفةً لعظمةِ إسلامنا ، وموقعِ بلادنا وما يتطلعُ إليه المسؤولون منَّا ، وما تتطلعُ إليه أبناءَ مجتمعنا ، وفَّقَ اللهُ الجميعَ لما يحبُ ويرضى، وسدد الخُطى ، وباركَ اللهُ في جهودِ المُخلصين ، وأعانَ ووفق من أضمرَ الخيرَ للإسلام والمسلمين
الحمد لله ذي الكرمِ والجود ، أحمدهُ وأشكره، وأعبدهُ وهو خيرُ معبود ، وأشهدُ أن لا إله إلاِّ الله وحدهُ لا شريك له، إنَّهُ هو الغفورُ الودود ، وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسوله خيرُ من صلى وصام، وجاهدَ واستقام، وأوفى بالعقودِ- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، من القائمين والصائمين، والركع السجود وسلم تسليماً.
أمَّا بعد.
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ) (المائدة:54) .
بعيداً عن جوِّ هذا الزمان القاتم بغبارِ الالتزام الأجوف ، والمشوه بغترِ السلبية المُفرطة ، والمظهريةِ الجوفاء ، نحلقُ في فضاءِ الجيل السالف المعطر بورودِ الإيجابية ، ونتفيؤ ظلالَ شجرةِ البذلِ والعطاء، والتضحيةِ والفداء .
نعودُ بذكرياتنا إلى الصورِ الرائعة، لسلفِ هذه الأمة، حيث يتجلى الإيمانُ الحقُّ، وتبرزُ حقيقة الهمِّ لهذا الدين .
تنقلنا الذاكرةُ إلى سوق بني قينقاع، حيثُ يعتدي يهودي على امرأةٍ مسلمة، ويكشفُ عورتها، فتثورُ ثائرة مسلمٍ ويأبى الدنية في دينهِ، وينهضُ بكلِّ عزةٍ وإباء، ويقتلُ ذلك اليهودي رغمَ أنَّهُ بين أهلهِ وقومه .
إلى موقفِ شابٍ لم تمنعهُ حداثةُ عهدهِ بالزواجِ، من الاستجابةِ لداعي الجهاد، فيخرجُ من زوجهِ وهو جنب ليلقى ربه شهيداً في أحد، فيحظى بتغسيلِ ملائكةِ الرحمة، ويُلقبُ بغسيلِ الملائكة، إنَّهُ حنظلةَ بن أبي عامر .
إلى موقف امرأةٍ مسلمةٍ تُشاهد استعدادات المسلمين، وبذلهم لتجهيزِ جيشِ المسلمين في إحدى المعارك، فلا تجدُ ما تُساهم به إلاَّ أن تقص شعرها، وتجعل منهُ ظفائرَ لخيلِ قائد جيش المسلمين، إلى مجموعةٍ من صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دفعهم الحماسُ للدين إلى أن يأتوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يسألونهُ أن يحملهم للجهاد ، ولمَّا لم يجد ما يحملهم عليه، تولوا وأعينهم تفيضُ من الدمعِ حُزناً ألا يجدوا ما يُنفقون، إلى موقف عُمير ابن أبي وقاص وهو شابٌ لما يبلغ الحُلم، يختفي في أحدَ المعاركِ خلف الرجال، حتى لا يراهُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيرده ، ولما رأه- عليه الصلاة والسلام- وردَّهُ جعل يبكي، فأشفق عليه المصطفى- صلى الله عليه وسلم- وأذن له بالجهاد، فعقد لهُ أخوهُ سعد حمائلَ سيفهِ، فجعلت تخط في الأرض .
إلى عبد الله بن حذافة السهمي، وهو مأسوراً عند الروم، فيجوعُ ويعرضُ عليه الخمر ولحم الخنزير، فيأتي ويقول: أما إنِّي أعلمُ أنَّها قد حلت لي بالضرورة، ولكن كرهتُ أن أشمتكم بالإسلام .
إلى وإلى ما لا يحصر، والصورُ المثاليةِ التي تذكر فيهتزُ لها القلبُ طرباً وشوقاً إلى أمثالها .
إنَّ موقفَ هذا وذاك، وتلك وأولئك، ينطلقُ من شعورٍ واحد، هو الغيرة على هذه الدين، والإحساسُ بالمسؤولية، والحميَّة للمبادئ التي آمنوا بها.
إنَّ الغيرةَ على دينِ الله وحُرما ته، من صفاتِ المؤمنين الأعزاء، فهي من مقتضياتِ الإيمان، تقوى بقوته وتضعفُ بضعفه ، وتفقدُ الغيرة حيثُ لا يكون القلبُ مؤمناً، وفي الحديث: (( المؤمنُ يغارُ واللهُ أشدُّ غيرة ) ).
الغيرةُ هي التألمُ والغضبُ على حقٍّ يُهانُ ويُقهرُ، أو باطلٌ يحمى وينصرُ، وينتجُ عن هذا التألم والغضب، مساندة الحقِّ ومقاومةَ الباطل ودحره .
يا مسلمون:
إنَّ من الغيرةِ على دينِ اللهِ الوقوفُ مع الحقِّ، ومناصرة أهل الحقِّ والخير، ومناورة الباطل، ومقاومةُ المبطلين والمفسدين، مهما كانوا ولو كانوا أولى قربى .
الغيرةُ على دينِ الله تتمثلُ فيمن ينظرُ إلى الدليلِ ويصدعُ بالحقِّ ولو كره المنافقون .
الغيرةُ على دينِ الله تكون بالمساهمةِ في نشره، والدعوة إليه، والجهاد في سبيلهِ بالنفسِ أو بالمال .