وما ذكر أحوال في المجتمع يدل على أن معايير الأخلاق قد اهتزت في عصرنا الحاضر، ولابد من أن نوليها الاهتمام الكافي الذي يوجبه علينا ديننا. وإن التطبيق الواقعي لأخلاق الغيرة والعفة والفضيلة والحجاب وأداء الأمانة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في حياة المسلمين اليوم بات واجباً إسلامياً ومنهجاً تربوياً دعوياً، طالما أهمل في قطاعات كبيرة من مجتمعات المسلمين.
والأمل كبير في الأجيال المؤمنة، لتقوّم الانحراف، وتزرع الفضيلة، وتكون قدوة حسنة، وواقعاً حياً لما كان عليه سلف هذه الأمة، وهم كثر بحمد الله، وأصحاب السوء ولله الحمد لازالوا قلة وإنما نحذر من سبيلهم، ونسأل الله لهم الهداية، وننظر إليهم بنظر الرحمة، ونسأل الله أن يعصمنا مما بلاهم به، وندعو على الذين يسعون في الأرض بالفساد ويدمرون الأخلاق ويبددون الأعراض بقنواتهم ووسائلهم المرئية والمسموعة.
الخطبة الثانية
أما بعد فيا عباد الله: ما أنواع الغيرة ؟
إن للغيرة أنواعاً أعظمها غيرة الله عز وجل ومن غيرته تعالى:
غيرته على كتابه الذي أنزله ليكون المنهج الذي يحكم خلقه، فمنهج الله مبرأ عن الجهل والظلم والمحاباة، وهي سمات بارزة في مناهج البشر، فإذا أعرض العبيد عن منهجه غار الله تعالى لكتابه، فكتب الشقاء والاضطراب لكل مخالف له: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى [طه: 124] ، وقال تعالى: بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ [ق: 5] أي مضطرب .
ومن غيرته سبحانه غيرته على محارمه، وكل ما حرمه الله وقع في حماه، فلا يجوز لأحد أن يقع فيه للحديث: (( ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ) )متفق عليه، لذا كانت البلايا والمصائب تبعًا لكل انحراف للحديث: (( يا معشر الأنصار خمس خصال إن ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط إلا فشا فيهم الطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر في السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلا سلط عليهم عدوًا من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، ولم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم ) )رواه ابن ماجه .
ومن غيرته سبحانه غيرتُه على أوليائه: إذا أوذوا للحديث: (( من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ) )متفق عليه، ولكن شاءت حكمته سبحانه أن يُمدَّ لأعدائه حتى يأتوا مثقلين بذنوبهم للحديث: (( إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ) )متفق عليه، وحتى تزداد مرتبة العبد المجاهد رفعة في الآخرة.
معاشر المسلمين، ومن أنواع الغيرة ثانياً غيرة المؤمن، المؤمن حقاً ينظر للأمور بنظر الله كما قال تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً [المعارج:6-7] . قال ابن كثير: وَنَرَاهُ أي الله والمؤمنين يرون اليوم الآخر قريبًا واقعًا لا يتخلف، فيغضبه ما يغضب، الله ويفرحه ما يرضاه الله.
أ- غيرته على محارم الله تقول عائشة رضي الله عنها: (وما انتقم رسول الله لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله بها) (1) [1]
ب- غيرته على أهله، فالديوث وهو الذي لا غيرة له على عرضه وأهله، والرجل هو المسؤول الأول عن أهل بيته للحديث: (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته ) ) (2) [2] فيأمرهم بطاعة الله، قال تعالى في إسماعيل عليه السلام: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصلاةِ وَالزكاةِ وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً [مريم:55] . فيحذرهم من كل فعل خاطئ بالكلمة الهادفة الطيبة.
اللهم لا تجعل قلوبنا في غمرة ولا تأخذنا على غرة ولا تجعلنا من الغافلين
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد...
(1) البخاري ومسلم.
(2) متفق عليه.
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفرهُ، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدهِ اللهُ فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، واشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسوله وخيرته من خلقه اللهمَّ صل وسلم عليه وعلى إخوانهِ وآله، وارض اللهمَّ عن أصحابه وأتباعه إلى الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فاتقوا الله معاشرَ المسلمين، واخشوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثُمَّ توفى كلُّ نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون.
إخوة الإسلام:
إنَّ أسباب الهدايةِ وعواملَ الثباتِ على دين الله.
ولاشكَّ أنَّ الهدايةَ إلى الصراطِ المستقيم، هدفٌ ينشدهُ كلُّ مسلمٍ، مع تفاوت الناسِ في جديةِ الطلب، وصدقَ العزيمةِ، وبلوغَ الهدف، وإلى كلِّ راغبٍ في الهداية، ومتجرٍ لأسبابها ومتطلعٍ للجنان العالية. عاشقٌ لحورها، ومؤملٌ في نعيمها، ومستجيرٌ من النار، وفارٌ من حر ها وزمهرير ها، ومن زقومها، وسائرَ عذابها، أسوقُ الأسباب التاليةِ للهداية إلى الله بإذن الله:
أولاً: سعةُ الصدر وانشراحهِ للإسلام وتعاليمه، قال الله تعالى: (( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) ) (الأنعام:125) .
ومفتاحُ شرح الصدر للإسلام التوحيد، الذي لا يخالطهُ أدنى شكٌّ أو شرك مع الله، وإذا كان الهدى والتوحيد من أعظمِ أسباب شرح الصدر، فإنَّ الشركُ والضلال من أعظمِ أسبابِ ضيقِ الصدر وانحراجه، فحققوا التوحيد، وعمقوا الإيمان. معاشر المسلمين: وإياكم والشرك، أو الشكِّ والخرافات، أو البدعِ التي لم ينزل الله بهما من سلطان.
قال ابن عباسٍ- رضي الله عنهما- (( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ) )يقول: يوسعُ قلبه للتوحيد والإيمان به [1] .
سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أيُّ المؤمنين أكيس؟ قال: (( أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم لما بعده استعدادا ) ).
وسُئل عن هذه الآية: (( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ) )قالوا: كيف يشرح صدرهُ يا رسول الله؟ قال: (( نورٌ يُقذفُ فيه فينشرحُ لهُ وينفسح ) )، قالوا: فهل لذلك من أمارةٍ يعرف بها ؟قال: (( الإنابةُ إلى دارِ الخلود، والتجافي عن دارِ الغرور، والاستعدادُ للموت قبل لقاءِ الموت ) ) [2] .
يا أخا الإسلام: وإذا كان التوحيدُ مفتاحُ الهداية، فإذا عملَ الصالحات، والتقربُ إلى الله بسائرِ الطاعات، هي الأسنان لهذا المفتاح، ومن هُنا فاحرص على أن يكونَ لك حظٌ من كلِّ طاعة، ولك نصيبٌ من كلِّ قُربة، فيدفعُ اللهُ عنكَ بهذه الطاعةِ مصيبةً أو نازلة، ويرفعكُ بالأخرى منزلة، ويكتبُ لك أجراً وعافية، وتصيرُ من هذهِ وتلك إلى انشراحٍ في الصدر وسعةٍ في القلب، تحسُّ من خلالهما بطعمِ الحياةِ الدنيا، قبلَ أن تصيرَ إلى لذةِ الحياة الأخرى.