ثم جاء الإسلام فحمد لهم هذه الغيرة، وشجع المسلمين عليها، ذلك أنها إذا تمكنت في النفوس كان المجتمع كالطود الشامخ حمية ودفاعاً عن الأعراض.
وأخبر النبي عن غيرة الله وغيرة المؤمن فقال: (( إن الله يغار، وإن المؤمن يغار ،وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه ) )رواه مسلم. وقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصْفحَ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أتعجبون من غيرة سعد ،لأنا أغير منه، والله أغير مني ) ) [رواه البخاري] . وفي رواية له قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما من أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ) ).
وقد استدل العلماء بقول الله عز وجل: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: 33] ، على أنها أصل في إثبات الغيرة لله تعالى ،ومن غيرته جل وعلا أن حرم الفواحش.
أيها المسلمون، وخلق الغيرة ليس شيئاً يكتسب بالقراءة والكتابة، ولا بالموعظة والخطابة، ولكن الغيرة منزلة لا تنال - بعد توفيق الله ورحمته - إلا بالتربية والتهذيب والصرامة والحزم وقوة الإرادة والعزم, إنها لا تنال إلا في ظل الحياة الطيبة حياة المحافظة والفطرة السليمة التي لم تتعرض لعواصف التغيير والإفساد.
إن الأسف كل الأسف، والأسى كلَّ الأسى فيما جلبته مدنية هذا العصر من ذبح صارخ للأعراض، ووأدٍ كريه للغيرة. أغانٍ ساقطةٌ، وأفلامٌ آثمة، وسهراتٌ فاضحة، وقصصٌ داعرةٌ، وملابس خالعة، وعباراتٌ مثيرة، وحركاتٌ فاجرة؛ ما بين مسموع ومقروء ومشاهد، في صور وأوضاع يندى لها الجبين في كثير من البلاد والأصقاع إلا من رحم الله.
بل إن في الفضائيات التي علت كثيراً من البيوت إعلاناً للفحشاء بوقاحة؟؟ وإغراقاً في المجون بتبجح؟؟. وتعرض تفاصيل الفحشاء في كثير من الأحيان، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل؟؟.
حسبنا الله من أناس يهشون للمنكر ويودون لو نبت الجيل كله في حمأة الرذيلة، وحسبنا الله من فئات تود لو انهال التراب على الفطرة المستقيمة والحشمة الرفيعة.
ما هذا البلاء؟ كيف يستسيغ ذوو الشهامة من الرجال، والعفة من النساء لأنفسهم ولأطفالهم، لفتيانهم ولفتياتهم هذا الغثاء المدمر من ابتكارات البث المباشر وقنوات الفضاء الواسع؟؟.
أين ذهب الحياء؟ وأين ضاعت المروءة؟ أين الغيرة من بيوت هيأت لناشئتها أجواء الفتنة، وجرتهم إلى مستنقعات التفسخ جراً، وجلبت لهم محرضات المنكر تدفعهم إلى الإثم دفعاً، وتدعُّهم إلى الفحشاء دعّاً؟؟.
اطلعت امرأة شريفةٌ على الخمر ثم سألت: هل تشرب هذا نساؤكم؟ قالوا: نعم. قالت: زَنًين ورب الكعبة!!!
أي والله إذا جلبت أسباب الفساد ظهرت النتائج ولو بعد حين ، وهذه الفضائيات التي قدمت قبل بضع سنوات غيرت في مجتمعاتنا شيئاً كثيراً، غيرت في شبابنا وفتياتنا في رجالنا ونسائنا .
لقد أصبح الفساد مقنناً يجمع في طياته الكثير من الدلالات من الانهزامية والتبعية والغفلة والغباء والخبث والمكر كلها في آن واحد .
إخوة الإسلام: ولا تبتلى الأمة بمثل بلائها ببني جلدتها الناطقين بلغتها العارفين بطبيعتها ومداخلها ومخارجها .
وأصبح مصاب الأمة اليوم عظيماً في شبابها وكوادرها التي كانت تعقد عليهم خناصرها، وأعظم المصائب تلك التي تكون في الإنسان، ذات الإنسان عندما يصاب في دينه، عندما يصاب في عقله، عندما يصاب في عزته وعفته وغيرته.
تجده محاكياً لعدوه في كل صغير وكبير، يلعق أحذيتهم ويحاكي لبسهم ويفعل بشعره فعلهم في لهاث دائم ونفسية مهزومة مهزوزة.
وأصبحت القناة التي يقوم عليها نصارى الشام من الموارنة هي التي تأخذ بحجز الكثير من الشباب إلى آخر الصرخات والقصات والتقليعات من حيث يدرون أو لا يدرون .
وهؤلاء النصارى يأخذون النموذج الأمريكي نبراساً ينقلونه بحذافيره إلى أبناء المسلمين .
وأصبح شباب الإسلام يحاكون عدوهم اللدود الذي يقتل إخوانهم في أصقاع من الأرض، كثيرون يحاكون عدواً فينحسر المفهوم الأخلاقي فيه بحيث يتخلى عن كل ماله علاقة بالتميز الإنساني عن الحيوان،يحاكون عدواً لا يعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة رذيلة أخلاقية .
ولو اقتصر التقليد على اللباس والشعر والزي الظاهر لهان وما هو بربي بهين، ولكن فئاماً نراها تأخذ قذر الأعادي بعجره وبجره، بقضّه وقضيضه حتى أصبحنا نرى مناظر مزريةً وأخلاقاً مرذولةً تنم عن دياثة وبهيمية وموت في الغيرة، وتعجب كيف يحدث هذا ؟ من أين ومن أي مستنقع أخذ هؤلاء العفن .
هل يأكلون لحم الخنزير أم يشربون الخمرة أم سلخت الغيرة والرجولة منهم ؟؟!!
لا ندري أيها الحبة ،بماذا نفسر خروج النساء سافرات متبرجات في الأسواق والمجمعات التجارية والأماكن العامة. هل يدل هذا على وجود غيرة عند الرجال أم يدل على عكس ذلك؟؟؟
إن الغيرة إذا ذهبت أصبح صاحبها ديوثاً، وهو الذي يرضى الخبث في أهله ،ولذا استحق هذا الديوث أن يحرم دخول الجنة. يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يدخل الجنة ديوث ) ) [رواه أحمد والنسائي] .
ترى أحياناً امرأة شابة كاشفة لوجهها ،متزينة بأبهى زينة ،وقد أخرجت شيئاً من شعرها وربما تعطرت ،فتكون في قمة الزينة والفتنة ،ويكون معها زوجها إما بسيارته ،أو يمشي معها ،وهو متأبطها في أحد المجمعات أو الأسواق.
سبحان الله، تصل الدياثة إلى هذا الحد، إن كثيراً من الحيوانات والبهائم ،تغار على أنثاها من أن يقربها حيوان آخر ،وهذا الديوث يرضى بأن يتمتع بالنظر إلى أنثاه كل من مر بذلك المكان، والمصيبة أن هذا المنظر لا يعد آحادًا أو في حكم الشاذ ،بل صار منظراً متكرراً بالعشرات، كنا قديماً لا نرضى مثل هذه الوقاحة حتى من الأجانب الكفار إذا قدموا إلى بلادنا، والآن صار أبناء البلد ،وأصحاب العوائل المعروفة ،ينافسون الكفار في الدياثة. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم أيها المسلمون، بماذا نفسر رضا كثير من أولياء الأمور أن يجلس نساؤه وبناته ،وأولاده، بل ويجلس هو نفسه أمام الشاشات التي تبث الصور العارية واللقطات الراقصة والحركات الفاجرة ؟ لقد أصبح الدعاة يتغاضون عن كثير من البرامج والمسلسلات التي كانوا يحذرون منها سابقاً أمام ما يعرض الآن عبر هذه القنوات الفضائية، لا بارك الله في القائمين عليها.
إن القضية اليوم: تجاوزت الخلاف:هل وجه المرأة عورة أم لا ؟ظهر الوجه وظهر الشعر، ثم ظهر النحر ثم ظهرت الفخذان، والآن باستطاعة الكثيرين أن يروا أعظم من ذلك كما استفاض من أخبار الثقات.
يدخل الأب هذه الأجهزة ثم يدعي أنه صاحب غيرة، وأنه قد أدى الأمانة وبلغ ما عليه ولم يقصر عليهم في شيء، لا مأكل ولامشرب ، وهو الذي أتى لهم بالهلاك والعطب بعينه.
يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (ألا تغارون ،ألا تستحيون ،فإنه بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج) (أي الأجانب) . رحم الله الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليس الأمر أمر مزاحمة الآن ،بل تعدى ذلك بكثير.
أيها المسلمون: