دخل مالك بن دينار على أمير البصرة فقال له:أيها الأمير ،لقد قرأت في بعض الكتب ،أن الله تعالى يقول: ما أحمق من سلطان ،وما أجهل ممن عصاني ،وما أعز ممن اعتز بي. أيها الراعي السوء ،دفعت إليك غنماً سماناً صحاحاً ،فأكلت اللحم ،ولبست الصوف ،وتركتها تتقعقع. فقال له أمير البصرة ،أتدري ما الذي يجرئك علينا ويجنبنا عنك؟ قال: لا قال:قلة الطمع فينا وترك الإمساك لما في الدنيا.
أيها المسلمون: إن المستقيم على النهج السوي ،والطريق النبوي عند فساد الزمان غريب ،ولو عند الحبيب ،لقد كثرت الآفات ،وتظاهرت القبائح والمنكرات، وظهر التغيير في الدين والتبديل ،واتباع الهوى والتضليل ،وفقد المعين ،وعز من تلوذ به من الموحدين. لقد صار الناس كالشيء المشوب ،ودارت بين الكل رحى الفتن والحروب، ولقد انتشر شر المنافقين ،ويميل صبر المتقين لقد تقطعت سبل المسالك ،وترادفت الضلالات والمهالك. ومنع الخلاص ،ولات حين مناص ،إن الغيور على الدين في هذا الوقت وجوده أعز من الكبريت الأحمر. ليس له مجيب ولا راع ،ولا قابل لما يقول ولا داع. كيف لا وقد نصبت رايات الخلاف ،ورمى بقوس العداوة والاعتساف ،نظرت للغيور شزر العيون ،وأتاه الأذى من كل منافق مفتون. أفلاذ كبده تقطعت مما جرى في دين الإسلام، وعراه من الانثلام والانفصام.
والباطل ،قد اضطرمت ناره، وتطايرت في الآفاق شراراه ،والغيور هو الذي على الدين مستقيم وبحجج الله وبراهينه مقيم.
فنسأل الله الكريم المنان ،أن يرزق كل غيور كمال توحيد وصبر وإيمان ،ورضاً وتسليم لما قدره الرحمن ،وبعده عقبى ثم عقبى في الجنان ،وقد وعد الله الصابرين جزيل الثواب فقال عز من قائل في محكم الكتاب إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.
نفعني الله وإياكم بهدي الكتاب واتباع سنة النبي المجاب، أقول هذا القول.
الخطبة الثانية
أما بعد:
ومما يجب على العبد أن يغار عليه أيضاً بعد غيرته على الدين ،أن يغار على عرضه ،فالغيرة على المحارم من سمات المؤمنين ،وكلما نقص الإيمان في قلب العبد ،نقصت وضعفت غيرته، وإذا ذهبت الغيرة بالكلية ،صار ديوثاً، والديوث هو الذي يرضى الخبث في أهله ،ولذا استحق هذا الديوث أن يحرم دخول الجنة. يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يدخل الجنة ديوث ) ) [رواه أحمد والنسائي] .
لا ندري أيها الحبة ،بماذا نفسر خروج النساء سافرات متبرجات في الأسواق والمجمعات التجارية والأماكن العامة. هل يدل هذا على وجود غيرة عند الرجال أم يدل على عكس ذلك.
ترى أحياناً امرأة شابة كاشفة لوجهها ،متزينة بأبهى زينة ،وقد أخرجت شيئاً من شعرها وربما تعطرت ،فتكون في قمة الزينة والفتنة ،ويكون معها زوجها إما بسيارته ،أو يمشي معها ،وهو متأبطها في أحد المجمعات أو الأسواق.
سبحان الله ،تصل الدياثة إلى هذا الحد، إن كثيراً من الحيوانات والبهائم ،تغار على أنثاها من أن يقربها حيوان آخر ،وهذا الديوث يرضى بأن يتمتع بالنظر إلى أنثاه كل من مر بذلك المكان، ماذا بقي لك أيها الزوج بعد هذا فقدت الغيرة إلى هذا الحد ،ووصلنا إلى هذا الحضيض ،والمصيبة أن هذا المنظر لا يعد آحادا أو في حكم الشاذ ،بل صار منظراً متكرراً بالعشرات والمئات. كنا قديماً لا نرضى مثل هذه الوقاحة حتى من الأجانب الكفار إذا قدموا إلى بلادنا، والآن صار أبناء البلد ،وأصحاب العوائل المعروفة ،ينافسون الكفار في الدياثة. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ونقول عندنا غيرة.
ثم أيها المسلمون بما نفسر رضا كثير من أولياء الأمور أن يجلس نساؤه وبناته ،وأولاده ،بل ويجلس هو نفسه أمام شاشات التلفاز ،وينظرون سوياً ،يشاهدون ماذا؟ أصبحنا ،نتغاضى عن كثير من البرامج والمسلسلات البرامج الرياضية جولات المصارعة الحرة ،وما كان يعرض سابقاً أمام ما يعرض الآن ،عبر هذه القنوات الفضائية، لا بارك الله في القائمين عليها.
والله أيها الأخوة ،إن الزنا الصراح صار يشاهد الآن في بيوت المسلمين.
القضية الآن: تجاوز الخلاف هل وجه المرأة عورة أم لا ،ظهر الوجه ،وظهر الشعر، ثم ظهر النحر ،ثم ظهر الفخذين ،والآن تظهر السوأة أصبح يرى في بيوت المسلمين المصلين ثم نقول غيرة ،وندعي أننا غيورين على محارمنا وأعراضنا، تسمح لأهلك أن ينظروا إلى الفحش وتقول أنك صاحب غيرة. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:ألا تغارون ،ألا تستحيون ،فإنه بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج (أي الأجانب) . رحم الله الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليس الأمر أمر مزاحمة الآن ،بل تعدى ذلك بكثير.
اسمع أخي المسلم القصة التي ذكرها البخاري في صحيحه في كتاب النكاح ،باب الغيرة لترى الفرق الكبير بين غيرة رجال تلك الفترة ،وبين ما يسميه رجالنا غيرة.
تقول أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما:تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه. فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء ،وأخرز غربه. وأعجن ،ولم أكن أحسن أخبز. وكان يخبز جارات لي من الأنصار ،وكن نسوة صدق ،وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي. وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوماً والنوى على رأسي ،فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار ،فدعاني ليحملني خلفه ،فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب ،فاستحييت منه وعرفت غيرتك ،فقال:والله لحملك النوى كان أشد عليّ من ركوبك معه ،قالت حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني"هذا نموذج واحد من غيرة الصحابة رضي الله عنهم وهو الزبير رضي الله عنه ،أما سعد بن عبادة ،فغيرته عجب من العجب ،وقد عرف بين الأنصار بذلك ،فإنه رضي الله عنه ما تزوج امرأة قط إلا عذراء ،ولا طلق امرأة فاجترأ رجل من الأنصار أن يتزوجها من شدة غيرته."
فأين غيرتك أنت أيها الرجل.
فأيها المسلمون: اتقوا الله تعالى ،احفظوا أنفسكم من الدياثة ،واحفظوا نساءكم من الفتنة والافتنان قبل أن يحل بنا ما حل بغيرنا من المصائب والمعائب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن الله وملائكته يصلون على النبي. .
ماجد بن عبد الرحمن الفريان
الرياض
سليمان بن مقيرن
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1 ـ الغيرة من أخلاق العرب. 2 ـ غيرة الله أن تنتهك حرماته. 3 ـ المدنية الحديثة تقتل معاني الغيرة بإعلانها للفاحشة عبر وسائل الإعلام. 4 ـ صور من ذهاب الغيرة عند كثير من المسلمين. 5 ـ صور من غيرة الله عز وجل. 6 ـ غيرة المؤمن على محارمه ومحارم الله.
الخطبة الأولى
أما بعد:
معاشر المسلمين، لقد كان العرب في الجاهلية يعدون المرأة ذروة شرفهم، وعنوان عرضهم، ولذلك فقد تفننوا في حمايتها والمحافظة عليها، والدفاع عنها زوجة وأماً، ابنة وأختاً، قريبة وجارة، حتى يظل شرفهم سليماً من الدنس، ويبقى عرضهم بعيداً أن ُيمس.
ولم يكن شيء يثير القوم كالاعتداء على نسائهم أو المساس بهن، ولذلك كانوا يتجشمون في الدفاع عنهن كل صعب، ولا يضنون بأي غال، لقد كانت الغيرة تولد مع القوم وكأنهم رضعوها فعلاً مع لبان الأمهات .