فهرس الكتاب

الصفحة 7775 من 9994

ومن فضائل التوحيد: أنّه إذا كَمُلَ في القلب حبّب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان وجعله من الراشدين.

ومن فضائله أيضاً: أنّه يخفف عن العبد المكاره، ويهون عليه الآلام، فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة.

ومن أعظم فضائله: أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي، ويكون مع ذلك متألهاً متعبداً لله؛ لا يرجو سواه، ولا يخشى إلا إياه، ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه.

وأخيراً: من فضائله التي لا يلحقه فيها شيء، أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققاً كاملاً بالإخلاص التام، فإنه يُصيّر القليل من عمل العبد كثيراً، ويضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب، كما في حديث البطاقة التي فيها لا إله إلا الله، والتي وزِنَت فرجحت بتسعة وتسعين سجلاً من الذنوب، كل سجل يبلغ مد البصر، وذلك لكمال إخلاص قائلها، وكم ممن يقولها في هذا الزمان ثم لا تبلغ هذا المبلغ، لأنه لم يكن في قلبه من التوحيد والإخلاص الكامل مثل، ولا قريباً مما قام بقلب هذا العبد.

وما أجمل ما قاله الأديب الأريب مصطفى المنفلوطي حينما قال:"جاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليرفع نفوس المسلمين، ويغرس في قلوبهم الشرف والعزة والأنفة والحمية، وليعتق رقابهم من رق العبودية، فلا يذل صغيرهم لكبيرهم، ولا يهاب ضعيفهم قويهم، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلا بالحق والعدل، وقد ترك الإسلامُ بفضل عقيدة التوحيد ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى، فكانوا ذوي أنفة وعزة، وإباء وغيرة، يضربون على يد الظالم إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا جاوز حده: قف مكانك، ولا تغلُ في تقدير مقدار نفسك، فإنما أنت عبد مخلوق لا رب معبود، واعلم أنه لا إله إلا الله."

هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد، أما اليوم وقد داخل عقيدتَهم ما داخلها من الشرك الباطن تارة والظاهر تارة أخرى، فقد ذلت رقابهم وخفقت رؤوسهم، وضرعت نفوسهم، وفترت حميتهم، فرضوا بخطة الخسف، واستناموا إلى المنزلة الدنيا، فوجدوا أعداؤهم السبيل إليهم، فغلبوهم على أمرهم، وملكوا عليهم نفوسهم، وأموالهم، ومواطنهم، وديارهم، فأصبحوا من الخاسرين.

والله، لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهناءتها، إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإن طلوع الشمس من مغربها، وانصباب ماء النهر في منبعه، أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده، ما دام المسلمون يقفون بين يدي (الجيلاني) كما يقفون بين يدي الله، ويقولون للأول كما يقولون للثاني: أنت المتصرّف في الكائنات، وأنت سيد الأرضين والسموات.

إن الله أغير على نفسه من أن يسعد أقواماً يزدرونه، ويحتقرونه، ويتخذونه وراءهم ظهرياً، فإذا نزلت بهم جائحة، أو ألمت بهم ملمة ذكروا الحجر قبل أن يذكروه، ونادوا بالجذع قبل أن ينادوه". إلى آخر رسالته القيمة النافعة."

أيها المسلمون:

فضائل التوحيد جمة، وآثاره متنوعة، وفوائده حسنة، فاحرص يا رعاك الله على هذا التوحيد الذي بين جنبيك، حتى تفوز بهذا الفضائل العظيمة، والخيرات الجسيمة.

اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم، ونستغفرك لما لا نعلم.

هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي العظيم والمرشد

(1) دمعة على التوحيد، صـ 80.

(2) الحديث رواه الترمذي (2639) وحسنه، و ابن ماجه (4300) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (1776) .

الدفاع عن حرّاس الفضيلة

الخطبة الأولى

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) . [الكهف: 5- 1] .

أحمده سبحانه على إنعامه، وأشكره على إحسانه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، (ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) . [الأنعام: 103- 102] .

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأمينه ومصطفاه، وعبده ومجتباه، بعثه بالرحمة وبالهدى، والنور والضياء، والإسلام والتقى، بين يدي الساعة بشيراً ونذيرا، وداعي إلى الله بإذنه وسراج منيراً، فأقام الله به الحجة وأوضح المحجة، وأكمل به الدين، وأتم به النعمة، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه من نبي كريم، وعلى أتباعه والتابعين وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله امتثالا لأمر الله عز وجل، ووصيته إياكم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) . (آل عمران:102) .

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) . [الأحزاب: 71]

اللهم ارزقنا تقواك في السر والعلانية، ومراقبتك في الغيب والشهادة، وخوفك في المنشط والمكره، والسراء والضراء يا حي يا قيوم.

أيها المسلمون:

عوداً على بدء، ويتواصل الحديث، ويتجدد اللقاء عن الهيئات ودورها، ورجالها وأعمالها، وأعدائها وخصومها.

هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذلك الصرح الشامخ، وتلك المؤسسة العظيمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها علينا في هذه المجتمعات، فكانت نعمة ورحمة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يديمها ويزيدها، ويثبت أهلها، ويكبت أعداءها وخصومها، إنّه ولي ذالك والقادر عليه.

أيها المسلمون:

لقد ذكّرتكم بما هو حاصل بالساحة هذه الأيام من الحملة المسمومة، ومن المعركة المحمومة الذي شنت عبر صفحات الإعلام الداخلي والخارجي على هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورجالها، من خلال ما يشاع حولها من أكاذيب، ويلفق ضدها من تهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت