وقد هبت رياحي.. وجاءني رزقي إلى حد بيتِ .. أأدعه لقولك، وأتركه لنصحك؟؟ فقالت لها أختها.. لقد أعذرت وأنذرت.. وما عليَّ إلا البلاغ .. فذهبت السمكة إلى السنارة لتأكل الطعم المعلق.. فما هي إلا لحظات وإذا بالصياد يرفع سنارته.. ويصعد بها إلى الأعلى.. والسمكة تحاول الفرار دون فائدة.. فقد فات الفوت.. وما ينفع حينها الصوت ، رُفِعت السمكة إلى الأعلى وذهب بها الصياد إلى داره والسمكة تتذكر كلام صاحبتها ولكن ما تنفع الذكرى وقد وقع الفأس على الرأس وكانت تتنهد وتقول بلسان حالها.. ليتني أطعت فلانة ..ليتني سمعت كلامها.. واستجبت لنداءها ..آه لقد كانت لي ناصحة ..وعليَّ مشفقة !!
أخي القارئ.. ما دار بين السمكتين هو ذاته الذي يدور بين الناصحين المشفقين لأولئك الأقوام الذين غرتهم الحياة الدنيا وغرهم بالله الغرور ، فالناصح يقول لإخوانه.. احذروا القنوات الفضائية..احذروا المعاملات الربوية.. احذروا الأفلام والمجلات الفاسدة.. وبعض الناس يصر إلا أن يفعل ويشاهد ويشرب ويأكل مما حرم الله.. ولسان حاله يقول.. هذا رزق ساقه الله إلينا.. وإذا بلغنا الستين أو السبعين نعود إلى ربنا ونرجع إلى رشدنا.. وما دمنا في زهرة شبابنا.. وريحانة عمرنا.. فما المانع أن نستمتع قليلا.. ونفرفش أحيانا.. وربنا رحيم ودود.. ونسي هؤلاء أن الذنوب لها عواقب وخيمة وأخطار جسيمة.. قد تؤدي بالعبد إلى سوء الخاتمة.. وقبح النهاية ، فمن يضمن أن يوفقه الله لخاتمة حسنة وقد جاهر الله بالمعاصي صبح مساء؟! وكيف يأمن العبد على نفسه وهو يتهاون بالصلاة ويتكاسل عن أدائها.. ويفرط في حقوق الله تعالى ، قال الله تعالى { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} وكم هم أولئك الأقوام الذين ماتوا على أبشع صورة.. وأشنع خاتمة ، وكانوا ربما يُمنون أنفسهم بالتوبة إلى الله تعالى، وصدق ابن مسعود رضي الله عنه ( السعيد من وعظ بغيره ) فهل تتعظ بمن سبقك وتعود إلى ربك أم أن تكون كتلك السمكة التي أعرضت عن النصيحة وركبت رأسها فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا نسأل الله لك التوفيق والسداد وأن يوفقك لسبيل الرشاد.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مهمات الأنبياء عليهم السلام , والعلماء ورثة الأنبياء , وقد سطّر علماء الدعوة السلفية في هذا البلاد أروع الأمثلة وأصدقها في هذا المقام , فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر عن علم وبصيرة وحكمة وروية .وهاك أخي القاريء جملة من المشاهد العملية لهؤلاء الأعلام لعلّها أن تكون باعثاً للتأسي بهم والسير على طريقهم: - (( كان الشيخ عبدالله بن عبد اللطيف آل الشيخ - رحمه الله -(ت 1339هـ ) جالساً في جامع الرياض , فسمع صوت غناء من جهة الجنوب , أتى بها هبوب الرياح , فلما سمع ذلك وعظ الناس موعظة بليغة , ثم قام من فوره إلى ذلك النكر , وخرج ومن الباب الجنوبي , فأزال المنكر. ))تذكرة أولي النهى لأبن عبيد 2/278 - وكان الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ - رحمه الله - ( ت 1378هـ ) منذ نشأته قائماً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وقد أوذي في سبيل ذلك .. وكان بعض السفهاء يهددونه ويخوّفونه , فلم يثنه تهديد ولا وعيد عن مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .انظر كتاب سير وتراجم بعض علمائنا لعمر عبد الجبّار ص 197 - وكان الشيخ عبدالله بن محمد القرعاوي - رحمه الله - (ت 1389هـ) داعياً إلى الخير, فكان يتجول في شوارع عنيزة وأسواقها آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر, فلا يرى متخلفاً عن الجماعة في المسجد أو أمرأة مظهرة شيئاً من زينتها إلا زجرهم ونصحهم . (أنظر: روضة الناظرين للقاضي 2/41) - وأما الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ - رحمه الله - (ت 1395هـ) غيوراً على محارم الله تعالى , ولما تولى رئاسة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنجد سنة 1345هـ اجتهد في تتبع المنكرات والقضاء عليها , فكان يباشر الإنكار بنفسه . (أنظر: روضة الناظرين للقاضي 2/131) - ونختم هذه المقالة بما كان عليه سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - من الاحتساب ومنذ كان الشيخ قاضياً في الدلم وهو يتابع رجال الحسبة بالنصيحة والتشجيع والاجتماع معهم , وكان يخرج للسوق العام في اجتماع الناس يومي الاثنين والخميس للبيع والشراء ويقوم خطيباً في وسط السوق مقابلاً للرجال وقريباً من النساء اللاتي كن يبعن في وسط السوق فيعظ الجميع ويذكرهم وينصحهم . وأخيراً كم نحتاج إلى مثل هذه المواقف الرائعة ذات الواقع العملي الإيجابي , ولا يزال الخير باقيا في هذه الأمة المرحومة , فهل نحن فاعلون
الحمد لله، وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعد، أما بعد
فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخصّ النساء بتوجيهاته ونصائحه، ويحمّلهن مسئولية أنفسهن ومسئولية القيام بحقوق أزواجهن، ومسؤولية رعاية بيوتهن وأولادهن.
ولما كان على المرأة المسلمة واجبات ومسئوليات في هذه الحياة كان لابد من تذكيرها بذلك، وتأهيلها للقيام بالدعوة في أوساط النساء.
وفي هذا البحث الموجز سأتناول عدة عناصر تسهم في بيان أهمية هذا الدور، وكيفية تنشيطه، ومن ذلك:
أولاً: المساواة بين الرجل والمرأة في التكاليف:
يقول الله تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) . [آل عمران: 104] . ففي هذه الآية الكريمة يأمر الله تعالى الأمة الإسلامية ويكلّفها بأن تعمل على تكوين جماعة منها تقوم بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ومن المعلوم أن كل أمة تتكون من الرجال والنساء، فخطاب التكليف في أصله شامل للرجال والنساء، ومجيئه بضمير المذكر للتغليب وهذا أسلوب معروف في اللغة العربية.
والقرآن الكريم بيّن قدرة النساء - إذا كن مؤمنات - على الدعوة إلى الإيمان بالله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما في قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ...الآية) . [التوبة: 71] . كما أن القرآن بيّن قدرة النساء - إذا كن منافقات - على الدعوة إلى الكفر والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف, كما في قوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ... الآية) . [التوبة: 68] .
ولم يقتصر القرآن الكريم على البيان النظري على قدرة المرأة على الدعوة بل إنه ضرب مثلاً عملياً لجهود المرأة الدعوية، سواءاً كان ذلك في جانب الخير أو جانب الشر كما ورد في نهاية سورة التحريم.
أما السنة فقد أثبتت أثر المرأة في الدعوة إلى أي عقيدة، وذلك في أحاديث كثيرة منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من مولود إلا ويولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". رواه مسلم، وكما في حديث المسئولية، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"... والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها". [رواه البخاري] .