الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره ولايحمد على مكروه سواه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد أيها المسلمون فطالما تحدث الغرب ومؤسساته وأذنابه عن الأصولية الإسلامية وعن تطرف المسلمين وتعصبهم وخطرهم، وهاهي الأحداث تكشف بجلاء أين مكمن التطرف وأين يكون العداء، فالغرب لايكتفي برفع شعار الدين راية لحروبهم ومساعداتهم، ولا ينتهي عند حد الدفاع عن الصليب مقابل الهلال، بل- ولفرط تطرفهم- يصرون على الدفاع عن مذاهب النصرانية المتنافرة، ويتفقون على اقتسام الغنيمة بين فصائل الكاثوليك والبروتستانت، والأرثوذكس، ففي الوقت ا لذي تساند (المانيا) وأوربا ا لكاثوليكية (الكروات) يبقى (الصرب) في حماية من روسيا واليابان وبقية الدول التي لاتدين بالكاثوليكية. فهل بعد هذا التطرف من تطرف، وحروب اليوم تذكرنا بالحروب الصليبية السابقة فأين المعجبون بالغرب والمروجون لشعاراته الوهمية من الديمقراطية والحرية والعدالة. وحقوق الإنسان أتراهم اليوم يعيدون حساباتهم، ويعلنون انخداعهم فيما مضى، فينصحون لأنفسهم، ويصدقون مع أمتهم، أم تراهم يراوغون ويخادعون ولاتزال عقدة الشعور بالنقص تصاحبهم، والفتنة بالفكر المستورد تطاردهم.
أيها الإخوة المؤمنون وبرغم فداحة ماتسمعون من جرائم تقشعر لهولها الأبدان من أمم الكفر على شعوب الإسلام فالحقيقة الغائبة أكبر، والمخطط أعتى وأقسى، وكل يوم تكشف لنا حقائق وإحصاءات لم تتكشف بالأمس، لن يكون آخرها اكتشاف قبور جماعية لمايقرب من ثلاثة آلاف مسلم ومسلمة من شعب البوسنة ردموا فيها بالجرافات في الأحداث المؤلمة الأخيرة، وأمثال هذه الأحداث تؤكد لنا استمرار العداوة بين المسلمين وأهل الكتاب التي أخبرنا عنها ربنا بقوله {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم... } ، وتذكرنا بعدم اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، كما قالى تعالى {يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق } .. إلى قوله تعالى {وودوا لو تكفرون } .أمة الإسلام.. ومع الصمت والتخاذل والقعود عن نصرة المسلمين المستضعفين فلن تقف العداوة عند هذا الحد. فالهدف اقتلاع الإسلام من جذوره، والمخطط يشمل المسلمين كلهم، وما أجمل ماقيل (فبعد أن ينجز الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس مهمتهم في أوربا لابد وأن يتطلعوا عبر البحر الأبيض المتوسط صوب أراضي المسلمين ليكملوا مايقوم به اليهود) .فهل نعي حقيقة المؤامرة وحجمها، وهل نتخذ من أساليب الوقاية وأسبابها مانحفظ به على أنفسنا وعقيدتنا ولكن هل نتجاوز مجرد الحديث إلى ما بعده من دروس وعبر، وهل نتجاوز مرحلة البكاء والعويل إلى مرحلة الجد والاستعداد للمستقبل القريب، فنتعاون جميعا وبكل ما أوتينا من قوة للوقوف صفا واحدا في وجه العدو الحقيقي لنا، هل نتجاوز الخلافات الوهمية التي يصنعها المغرضون، هل نتجاوز الحدود المرسومة من قبل المستعمرين لتقطيع أوصال الأمة وإشغالها عن قضاياها المهمة والمصيرية، هل نعود عودة صادقة لكتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابنا أصدق الكتب المنزلة، ونبينا خاتم المرسلين، في وقت عاد فيه الآخرون إلى كتبهم المحرفة ودياناتهم المنسوخة؟ هل نحافط على طاقاتنا؟. إن عالم اليوم لامكان فيه لمن يعيش بدون هوية، وإذ تشبث اليهودي والنصراني والبوذي وسواهم بعقائدهم أفيليق بنا معاشر المسلمين أن نعيش هملا نقتات على موائد الآخرين، ونستطعم منهم وكأننا حفنة من المساكين... أين العزة بالإسلام..، أين الغيرة للقرآن وأين نضع خيريتنا وشهادتنا على الأمم بنص القرآن {كنتم خير أمة أخرجت للناس} {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس..} .أن من واجبنا أن ندعم كل مبادرة خيرة صادقة للتضامن مع شعب البوسنة والهرسك، على أن لايتوقف هذا الدعم، وذلك التضامن حتى ينتصر المضطهدون، ويفضح المعتدون، وأن يشمل هذا الدعم والمساندة بقية المسلمين المضطهدين في أنحاء الأرض. إن على وسائل الإعلام بقنواتها المختلفة وفي عالمنا الإسلامي كله، مسؤولية توعية الشعوب بحقيقة المؤامرة، وشراسة الهجمة، والهدف من وراء اللعبة، ولاينبغي أن نقل مصداقية إعلام عن إعلام الغرب حين يشوهون صورتنا ونحن المسلمون المضطهدون ويلهبون مشاعر شعوبهم ضدنا وهم الكفرة المعتدون؟. ومع ذلك كله فينبغي أن لانقف عن حدود التوعية المبرمجة لقضايانا مع أهميتها، ولانكتفي بمجرد المساندة المالية للمضطهدين مع مسيس الحاجة إليها، بل لابد من التفكير بربط علاقات ثقافية مع الشعوب المسلمة يحكمها الإسلام، ولابد من إقامة علاقات اقتصادية مع الشعوب المسلمة لايكون الربح المادي هدفها، بل تهدف إلى إيجاد فرص اقتصادية يستغني بها المسلمون عن استجداء الآخرين. ولابد من تعاون عسكري جاد في محيط الأمة المسلمة، تتقلل منه في البداية عن معونات الأمم الأخرى وتستغني به مستقبلا عن أي صفقة أخرى لاتعطى حتى تؤخذ تنازلاث تقايضها، أو تعطى صراحة لفتة وتحرم أخرى كما يجري اليوم مع المسلمين البوسنة و الصرب النصارى.وحين نصدق مع ربنا، ونتمثل إسلامنا فلن يضرنا كيد الكائدين {إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } ولن يستطيعوا إطفاء نور الإسلام {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون} . والله غالب على أمره.
الخطبة الأولى
الحمد الذي يعطي من سأله، ولا يخيب من أمّله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ الذي كرمه ربه ونصره، وآزره حين أرسله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على دربه واقتفي عمله وسلم تسليماً، أما بعد.
فاتقوا الله أيها المسلمون:
حقيقة لا يماري فيها أحد، قررها الواحد الأحد، وعنوانها (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَد) .
إنها حقيقة مهمّة لا بد أن ندركها، فالحياة الدنيا لا بد فيها من التعب والجهد، يستوي في ذلك المؤمن والكافر، والكبير والصغير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، وسائر طبقات الناس، فكل منهم له نصيب من التعب والكَبَد.
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَد) : في مكابدة ومشاقة وجهد وكد، وكفاح وكدح: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ...) .
فمنذ اللحظة الأولى للإنسان يبدأ الجهد الأشق والكَبَد الأمر، وكل خطوة بعد ذلك كَبَد وكل حركة بعد ذلك كَبَد، وعند بروز الإنسان كَبَد، وعند انتصاب القامة كَبَد، وعند الخطو الثابت كَبَد، وعند التعلم كَبَد، وعند التفكّر كَبَد، وفي كل تجربة جديدة كَبَد؛ كتجربة الحبو والمشي، ثم تفترق الطرق وتتنوع المشاق؛ فهذا يكدح بعضلاته، وهذا يكدح بفكره وهذا يكدح بروحه، وهذا يكدح للقمة العيش، وخرقه الكساء، وهذا يكدح ليجعل الألف ألوفاً، وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله، وهذا يكدح لشهوة ونزوة، وهذا يكدح لعقيدة ودعوة، وهذا يكدح إلى النار، وذاك يكدح إلى الجنة، والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحاً إلى ربه فيلقاه، وهناك يكون الكَبَد الأكبر للأشقياء، وتكون الراحة الكبرى للسعداء.