الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها الناس: اذكروا اله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا، وكونوا من أولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، كونوا من الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب، وتنفرج الكروب، بذكر الله يحصل النصر ويثبت الله القلب في مواطن الفزع، ولذلك أمر الله تعالى بذكره عند مقابلة الأعداء في الحرب فقال: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون .
إن ذكر الإنسان لربه يملأ قلبه سرورا ويكسو وجهه نورا ويذكره الله به يقول الله تعالى في القرآن الكريم: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون .
ويقول تعالى في الحديث القدسي الذي رواه النبي عنه: (( أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ) )وقال النبي: (( سبق المفردون. قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا ) )وقال: (( مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت ) )وسئل من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله قال: (( من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ) )، وقال: (( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) ).
وأمر أن يلقن الميت إياها عند موته، وإن من أكبر أسباب ذكر الإنسان لها عند موته أن يكون مكثرا لها في حياته، فإن من كثر من شيء ألفه. وقال: (( أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها ) ). وقال: (( من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ) ). وقال: (( من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك ) ).
وقال: (( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ) )، وقال: (( من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر ) ). وقال: (( لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ) ). وقال: (( يعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة. فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة قال يسبح الله مائة تسبيحة فتكتب له ألف حسنة ) ).
فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من هذه المكاسب العظيمة من أعمال يسيرة أكثروا من ذكر الله عز وجل بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم، ليكن ذكر الله وأسمائه وصفاته وأفعاله ففي كل شيء له آية تذكركم به وتبرهن على وحدانيته وعظمته وقدرته وتبرز بها آثار رحمته وحكمته. اذكروا الله تعالى بألسنتكم بقول لا إله إلا الله، سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر.
واعلموا أن كل قول من الخير تريدون به وجه الله فهو من ذكر الله. اذكروا الله تعالى بجوارحكم بفعل الطاعات وترك المعاصي، فإن كل فعل أو ترك تقومون به طاعة لله وتقربا إليه فهو من ذكر الله، أكثروا من ذكر الله تعالى ولا تكونوا ممن أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا. أكثروا من ذكر الله قبل أن يحال بينكم وبينه إما بالموت أو بالعجز أو بحرمانكم منه عقوبة على غفلتكم.
لا يشغلنك أيها المسلم عن ذكر الله مال ولا بنون، فإنما المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات والصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا. والباقيات الصالحات كل عمل صالح وعلى رأسها قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عباد الله: إن ذكر الله تعالى غنيمة وربح وإن الغفلة عن ذكره غرم وخسارة، فعن أبي هريرة عن النبي أنه قال: (( ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ) )والترة: النقص والحرمان.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم اجعلنا في أهلنا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات من الذين اغتنموا أوقاتهم بالباقيات الصالحات واعصمنا يا مولانا من الغفلة عن ذكرك ومن التشاغل بما لا يقربنا إليك، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك الوهاب واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.
محمد بن علي السعوي
بريدة
جامع الراشد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-ذكر الله من أفضل الطاعات 2- النصوص الشرعية تحثّ على ذكر الله 3- ذكر بعض الأذكار الشرعية 4- إنما شُرعت العبادات لإقامة ذكر الله 5- أثر الذكر في خشوع القلب
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها المسلمون اتقوا الله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45] .
معشر المسلمين: موضوع حديثي في هذا الموقف المبارك عن ذكر الله تعالى وأثره، وأثر الإعراض عنه.
أيها المسلمون: إن ذكر الله عز وجل من أعظم القربات وأفضل الطاعات وسبب لرفع الدرجات قال الله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239] .
وقال عز وجل: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45] ، ذكر الله هو أفضل ما يشغل به الإنسان نفسه في الجملة قال النبي: (( ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى ) )، رواه مالك والترمذي وغيرهما.
ولقد كان النبي يذكر الله على كل أحيانه.
ووصف الله المؤمنين بأنهم يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد هو المداومة على الذكر في غالب الأحوال، لأن الإنسان قل أن يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث وهي القيام والقعود وكونه نائماً على جنبه.
أيها المسلمون: إن ذكر الله تعالى هو الحصن الحصين من شياطين الإنس والجن، والجُنّة الواقية من عذاب الله تعالى.
قال النبي: (( وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم ) )رواه الإمام أحمد. وقال النبي: (( ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله ممن ذكر الله ) )رواه الترمذي وغيره.
أيها المسلمون: ولقد أمر الله تعالى بالإكثار من ذكره قال سبحانه: يا أيها الذين ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41] . وذكر سبحانه أن من صفات الذين يتأسون برسول الله أنهم يذكرون الله كثيراً بعد الإيمان الصادق بالله واليوم الآخر.
قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] .
أيها المسلمون: إن كثرة ذكر الله تعالى أمان من النفاق فإن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً قال كعب رحمه الله: من أكثر ذكر الله عز وجل برئ من النفاق.