(4) أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحة في كتاب الجمعة ( 1435 ) وأخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده ( 14455 ) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه ت ط ع .
الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى ، خلق الإنسان من صلصالٍ ، ووفقهُ لمعرفةِ ما يحتاجُ إليه في سائرِ الأحوال ، ثُمَّ جعل منهُ فريقاً إلى الهدى وفريقاً إلى الضلال، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وصحبه والآل، صلاةً دائمةً إلى يوم الدين والمآل، أمَّا بعد:
فيا أيُّها الأخوةُ في الله:
فهذا رجلٌ يملك بستاناً فيه رياحينُ وأزهارُ، إذا تعاهدها صاحبها بالسقايةِ والرعايةِ ماذا سيحدث ؟ ستنمُو وتينعُ كلَّ حينٍ بإذنِ الله، ولكن لو جعلها نسياً منسيا، وتركها وشأنهَا، فلم يُحطها بنُصحِه ورعايتهِ، فإنَّ الجميعَ ستتفق آراؤهم على أنَّ مآلَ هذا الرياحيِنُ والأزهارِ إلى الخسارة والبوار.
وهكذا أحبتي الكرام: هذه الرياحينُ هم أبناؤنا [1] , وفلذاتُ أكبادِنا، ومهجُ نفوسِنا، وحباتُ قلوبنِا، هذه الرياحينُ إذا أحطَّتها بنُصحك ورعايتك، نلت ما ترجوهُ بإذن الله تعالى من برِّها وإحسانها، في حياتك وبعد مماتك، وإن أهملتها وضيعتها، فقد حاقَ بك الفساد، وما ربك بظلامٍ للعباد .
أيُّها الأبُ المبارك:
لثقتي بحرصك الشديدِ على صلاحِ أبنائك، واستقامِتهم وبرهم وإحسانهم، ولمعرفتي بخوفكَ العظيمِ من انحرافهم وضلالهم، فإنِّي أضعُ بين يديكَ بعضَ العواصفِ التي تعتري هذه الرياحين، والتي تُؤدي بطبعها إلى الميلانِ بها ذات اليمنِ وذات الشمال، وأحياناً تجتثها من جُذورها، أضعُها بين يديك، تنبيهاً وتحذيراً، وإرشاداً وتذكيرا ً.
وهذه العواصفُ التي هي بمثابةِ الأسباب التي تعتري أبناءَنا، وتصدُهم عن الصراط السوي، كثيرةٌ يصعبُ في هذه العُجالة حصرُها، وتفصيلُ أجزائها، ولكن حسبي الإشارةُ، والإشارة تُغني عن العبارة، وهي ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين .
وأنا أذكرُ لك هذه الأسباب، لأنَّ معرفتها جزءٌ من العلاج، ولذلك كان حذيفةُ -رضي الله تعالى عنه- يسألُ رسولَ الله r عن الشرِّ مخافة الوقوع فيه، وإذا عرفت الأسباب وتلك العواصفُ التي تُؤثر على سلوكِ ابنك، فالواجبُ البعدُ عنها، وعدمُ مواقعتِها حتى تسلم وتغنم بإذن الله تعالى، وتبرأ الذمةُ والتبعةُ، عندما تقفُ بين يدي الواحدِ القهار، فيسألُك عن هؤلاءِ الرياحين، هل أحسنت رعايتَهم ؟ وهل أديت الأمانةَ في توجيههم؟
ولعلمي بضخامةِ المسئوليةِ، وثقل التبعةِ، كانت هذه الكلمات وهذهِ الإشارات، والتي أسألُ الله تعالى أن تكون نافعةً جامعة، كما أسألهُ سُبحانهُ أن يعينك على حُسن تربيتهم، وأن يُقرَّ عينَك بصلاحهم، والمرءُ إذا اجتهد في فعلِ الأسباب فالتوفيقُ بيد الملك الوهاب، وصلاحُ القلوبِ بيدِ علامِّ الغيوب .
أيُّها الآباءُ الكرام:
أولُ هذه الأسباب: إهمالُهم في الذهابِ بهم والعودِة من مدارسهم، كلُّ ذلك رغبةً في النومِ والراحة، والدعِةِ والسكون، أو الثقةِ الزائدة، فيرسلُ الأبُ ابنَهُ إمَّا مع زملائهِ الذين لا يعرفهم ولا يعرفُ أخلاقَهم، أو ثقةً بولدِ الجار، أو مع السائق، فيكتسبُ الابنُ من جراءِ ذلك أخلاقَ هؤلاء، كما قال النبي r: (( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل ) )، وكما قيل: الصاحبُ ساحب، فيتعلمُ الابنُ عادةَ التدخيِن، أوسماعَ الغناء، أو غيرها من العاداتِ المحرمة ، كالألفاظِ البذيئة، والأفعالِ القبيحة من جراءِ ذلك، هذا أحدُ الأبناءِ لم يحفظ درسَ القرآنِ في حلقةِ تحفيظِ القرآن الكريم، فأرسلهُ المعلمُ لإدارة التحفيظ، وبعد أن دارَ الحديثُ معه، وهو في الصفِّ الخامس الابتدائي، تبين أنَّهُ يحفظُ أغنيةً لأحد المغنيين، فسألتهُ كيف استطعت أن تحفظَ كلَّ هذه الأبياتِ ولم تستطع أن تحفظَ الجُزءَ المقررَ عليك ؟ فأجابَ: كنتُ أحضرُ مع سائقِِ جارنا، وكان يُسمعنا هذه الأغنيةَ كلَّما ركبنا معهُ، أبياتٌ كلٌها سخفٌ وهُراء، حفظها الابنُ من جراءِ ذهابِهِ للمدرسةِ ورجوعِه منها مع السائق ؟!! فهل يتنبهُ الآباءُ ذلك ؟!!
وفي تحقيقٍ أُجري في إحدى الصُحفِ المحليةِ عن التدخين، تمت مقابلاتٌ مع عددٍ من المدخنين والمدخنات، سُئلت إحداهنَّ كيف تعلمتِ عادةَ التدخين؟ ..فأجابت اعتدتُ التدخين من السائق أولًا أثناءَ خروجي للمدرسةِ ووقتَ العودة، وكنتُ أغريهِ بالمالِ لئلاَّ يُخبرَ أهلي، واستمررتُ على هذا الحال حتى أدمنتُ التدخين، ولم استطع أن ابتعدَ عنهُ إلى آخر كلامها .
فهل يتنبهُ الآباءُ الكرام إلى ذلك ؟ وهل يستيقظُ البعضُ من غفلتهِ، ويفيقُ من سُباته ؟!!
ثانياً: ومن أسبابِ انحرافهم: غيابُ الدورِ الأبويُِّ في الأسرةِ، وهو بدايةُ الانهيار، وصدق القائل:
ليس اليتيمُ من انتهى أبواه مِن ْ *** هم الحياةِ وخلفاهُ ذليلاً
إن اليتيمَ هو الذي تلقى له *** أُماً تخلت أوأباً مشغولاً
وغيابُ الدورِ الأبويِ إمَّا أن يكونَ غياباً معنوياً أو حسياً، أو غيابَ القدوةِ الصالحةِ، فغيابُهُ معنوياً، يُصبحُ وجودُهُ كعد مه، فقط يقتصرُ دورُه على توفيرِ الحاجات ، وتلبيةِ الطلبات ، وتنفيذِ الرغبات ، ويرى أنَّهُ قد أحسن صُنعاً تجاهَ أُسرتِه وأولادِه، فلا مُنا صحةً للأبناء، ولا متابعةَ لهم، ولا محاسبةَ لأفعالهم .
وإمَّا أن يكون غيابُهُ حسياً: فهو إمَّا أن يكون صاحبَ أسفارٍ وجولات، وإمَّا أن يكون صاحبَ مقاهٍ واستراحات، أو سهراتٍ مع الأصدقاءِ لمتابعةِ القنواتِ الفاسدات، أو صاحبَ زوجةٍ ثانية، فيتخلى عن الأولى وعن متابعةِ أولاده .
أو يكونَ غيابَ القدوةِ الصالحةِ، فلا تكادُ تسمعُ منهُ إلا عباراتُ الشجبِ والاستنكار،ِ أو السبِِّ والاستحقار، يتعاطى الدُخانَ أمام أبنائهِ وبناته، يتخلفُ عن الصلاة، يُعاقرُ المحرمات، يستهينُ بالواجبات، فيا تُرى ما حالُ الأبناءَ المساكين مع هذا الأب ؟ !! إذا كان محلُ القدوةِ بهذه المثابةِ، فكيف سيكون الأبناء ؟!! إذا كان محلُ الأسوةِ بهذا السلوك، كيف يستقيم الأبناء ؟!! نعم الهدايةُ بيدِ الله تعالى، لكنَّ الله تعالى جعلَ لكلِّ شيءٍ سببا .
والطامةُ الكُبرى، والبليةُ العُظمى، حينما يحرصُ بعضُ الآباءِ ـ هداهم الله تعالى لطاعته ـ على عدمِِ صلاحِ أبناءِهم، لماذا ؟ حتى لا يُزعجهُ الابنُ بالمُناصحة والتذكير!! فيقطعُ عليه حبلَ شهواتِه وملذاتِه، فإنَّ لله وإنَّ إليه راجعون ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
هذه حادثةٌ وقفتُ عليها بنفسي، وهي إي وربي مؤلمةٌ مبكية، مُحزنةً مُؤسفة، أحدُ الآباءِ عندما رأى علاماتِ الاستقامةِ والهداية ظهرت على ولده، هل حمد الله تعالى على هذه النعمة ؟ هل شكرَ الله تعالى على استقامةِ ولده ؟ كلا، بل قام أولاً بتحذيرهِ من الذهابِ إلى حلقةِ تحفيظ القرآن الكريم، ثُمَّ تحذيرِه من مجالسةِ أهلِها، ثُمَّ اشترى لهُ سيارة، وأدخل في بيتهِ جهازَ الدش، وقد تحقق لهذا الأبُ ما يُريد، فقد انحرف الابنُ، وتخلَّفَ عن الصلاة، وسيعلمُ هذا الأبُ عاقبةَ فعلِهِ وصنيعه، وما ربُك بظلامٍ للعبيد .
وحتى تعلم أيَّها الأبُ الكريم أننا لا نتكلمُ من فراغ، أو من عاطفةٍ جياشة، بل هذه هي الحقيقية، حقيقةُ خطورِة غيابِ الأب وتخليهِ عن مسؤولياتهِ، استمع إلى هذه الدراسات التالية: