الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله وأستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد فيا عباد الله.
ننبه بهذه المناسبة إلى أمور قد تخفى على كثير من الناس فمنها أن الإخبار بزمن الكسوف قبل حدوثه ليس من علم الغيب بل هو من العلوم العادية التي قد يتعلمها البشر قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: أجرى الله العادة أن الشمس لا تكسف إلا وقت الإستسرار وأن القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار ووقت إبداره هي الليالي البيض التي يستحب صيام أيامها ليلة الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فالقمر لا يخسف إلا في هذه الليالي والهلال يستسر آخر الشهر ليلة تسعة وعشرين وليلة ثلاثين والشمس لا تكسف إلا وقت إستسرار الهلال وللشمس والقمر ليالي معتادة من عرفها عرف الكسوف والخسوف وقال رحمه الله عليه: أما العلم بالعادة في الكسوف والخسوف فإنما يعرفه من يعرف حساب جريان الشمس والقمر وليس خبر الحاسب بذلك من علم الغيب بل هو مثل العلم بأوقات الفصول وقال رحمه الله: ولكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك يعني على الإخبار بزمن الكسوف فلا يكادون يخطئون ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علم شرعي فإن صلاة الكسوف والخسوف لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك وقال: إذا استعد الإنسان ذلك الوقت - يعني الذي أخبر به أهل الحساب - لرؤية ذلك كان ذلك من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته الأمر الثاني أن ما شغلتنا به الصحف من الحديث حول هذا الموضوع إنما يدل على إفلاسها من القيم حتى إنها اشتغلت بالأشياء التافهة وتركت الأمر العظيم الذي نبه له صلى الله عليه وسلم إن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما حصل الكسوف خاف حتى ظن أنها الساعة كما تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها (10) [1] وصحفنا اليوم تسخر من ذلك وكذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخطأ بردائه حتى أخذ بعض درع زوجاته ليذهب ويصلي بالناس به حتى أرسل له ثوبه مع بعض الناس من شدة ذهوله صلى الله عليه وسلم من هذه الآية التي يقول الله جل وعلا: وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (11) [2] ، أما صحفنا اليوم وكثير من هذا الغثاء الذي شحنت به الأسواق تتحدث عن عرس فلكي بين الشمس والقمر عرس فلكي وثم يعلمون الناس أحسن طريقة لرؤية هذا الكسوف هذا الحدث الكوني كيف تستمتع برؤية هذا الحدث ثم يبينون للناس صور الأطفال الأوربيين وغيرهم في شتى بقاع الأرض الكافرة يرسمون لهم صورهم وهم يلبسون النظارات السوداء أو غيرها لينظروا إلى الكسوف ما لنا ولهم هؤلاء قوم ممن قال الله عز وجل فيهم: إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون ، هؤلاء شر من الكلب والخنزير وصحفنا بعض صحفنا اليوم تجعلهم كالمثل الأعلى للناس ترسم صورهم وصور كلابهم وهم يلبسونها النظارات وربما تحدثت أيضا بعض الصحف عن سهرة بالنهار تقام في هذا البلد أو ذاك واشغلت الناس بعدد الناس الذين سيتعرضون للعمى أربعة ملايين أو أربعه مليون فاشتغلوا بعمى البصر وتركوا الحديث عن عمى البصائر الذي عليه عامة أهل الأرض اليوم كما قال جل وعلا: وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ، وقال سبحانه: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون فلو اشتغلنا ولو اشتغلت صحفنا بتعليم الناس أمر دينهم وحثهم على التوبة والاستغفار وتبديل أحوالهم إلى أحسن الأحوال لكان خيراً لهم وأقوم
(1) صحيح البخاري (1044) ، صحيح مسلم (901) .
(2) سنن الترمذي (2450) .
(3) صحيح البخاري (7414) ، صحيح مسلم (2786) .
(4) سنن أبي داود (4753) .
(5) صحيح مسلم (2867) .
(6) صحيح البخاري (833) ، صحيح مسلم (588) .
(7) صحيح البخاري (1044) ، صحيح مسلم (901) .
(8) صحيح البخاري (86) .
(9) صحيح مسلم (2577) .
(10) صحيح مسلم (912) ، وهو عن أبي موسى ولم أجد هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنهم أجمعين.
(11) صحيح مسلم (906) .
صدّوق الونّاس
برج الكيفان
الرحمة العتيق
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-حال المؤمن إذا شاهد الكسوف. 2- حال الكافر تجاه حادثة الكسوف. 3- حال النبي حين كسفت الشمس. 4- طاعات مسنونة وقت الكسوف.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها المسلمون: إن هذا الحدث الجلل وهو كسوف الشمس، يذكّرنا بقيام الساعة، اليوم كسفت الشمس واسودت على غير عادتها، وغداً تفاجئنا بالطلوع من مغربها، عن أبي موسى قال: خسفت الشمس فقام النبي فزعا نخشى أن يكون الساعة، فهو يخشى أن يكون الكسوف مقدّمة لبعض الأشراط كطلوع الشمس من مغربها. فلا يبعد أن تظهر بعد الكسوف علامات الساعة.
وتقع متتالية، بعضها إثر بعض، وقد قال الله تعالى: وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب.
وتذكّرنا ظلمة الكسوف - يا عباد الله - بظلمة القبر. ولأجل ذلك أرشد النبي أصحابه في خطبة الكسوف أن يستعيذوا بالله من عذاب القبر، فظلمة النهار بالكسوف تذكر بظلمة النهار بالقبر، نسأل الله تعالى أن ينوّر علينا قلوبنا وسائر المسلمين.
واعلموا - رحمكم الله - أن حقيقة الاتعاظ والادّكار هو في التمسك بما ينجي يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ولهذا لما سئل النبي: متى قيام الساعة؟ قال: للسائل: (( وماذا أعددت لها ) ).
فينبغي أن تكون همّة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكل من شغله شيء فهمّه في شغله، ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة رأيت النجّار ينظر إلى الأبواب والنوافذ والطاولات والدواليب، والبنّاء إلى الحيطان، والخياط إلى النسيج المخيط والستائر والفرش، وهكذا المؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر. واذا رأى شيئاً مؤلما ذكر العذاب والعقاب. وإذا سمع صوتاً فظيعاً ذكر نفخة الصور، وإذا رأى الناس نياماً ذكر الموتى في القبور، وإذا رأى لذّة ذكر الجنة وما فيها من الحور والقصور، واللذات والسرور.
عباد الله: ليس هذا الكسوف عند الكفار وأتباعهم إلا ظاهرة طبيعية من جملة المظاهر، ومنظر من أروع وأجمل المناظر، خرج اليوم في أنحاء العالم كل كافر وفاجر، لرؤية هذا المشهد العظيم وكأنهم في نزهة الخاطر، ولم يعلموا أنهم بذلك قدر ركبوا المخاطر.
أما أهل الإسلام والإيمان فإنهم يعرفون أن هذا الكسوف آية من آيات الله الدالة على وحدانيته وانفراده بالخلق والتصوير، والتصرف والتدبير. وعلى عظم قدرته وشدّة سطوته، فخرجوا خائفين من ربهم، تائبين من ذنوبهم، قصدوا أفضل البقاع بيوت الله، والتجؤوا إليه فهو ملجؤهم ومولاهم، ومنجيهم وناصرهم.
وقد وقع الكسوف في عهد النبي فقام فزعاً مستعجلاً يجرّ رداءه حتى دخل المسجد .
أخرج أبو داود في سننه عن حذيفة بن اليمان قال: كان النبي إذا حزبه أمر - أي اشتد عليه وأهمّه - صلّى.
وهكذا المسلم دائماً يرجع إلى الله تعالى في حال الشدة، فإن لم يفعل فحتما لن يرجع إلى الله في حال الرخاء.
فإذا رأى المسلم من الآيات ما قد يسفر عن العقوبات، أو حلّ به بلاء، وضرب بسياط القضاء. استيقظ من نومته، وأفاق من غفلته، فرجع مسرعاً إلى ربه ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.