[1] رواه أبو داود .
الحمدُ لله الذي سَخّرَ لكُم ما في السمواتِ وما في الأرضِ جميعاً منهُ، إِنَّ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يتفكرون، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، الملكُ الحقُ المنعمُ المتفضلُ رَبُّ العالمين، جَعَلَ لكم من الفلكِ والأنعامِ ما تركبُون، لتستووا على ظُهورهِ ثُمَّ تذكروا نعمةَ ربِّكم إذا استويتم عليهِ وتقُولوا سُبحانَ الذي سَخّرَ لنا هذا وما كُنَّا لهُ مُقرِنين، وإنَّا إلى رَبِنا لمُنقَلبُونَ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُ اللهِ ورسُولَهُ- صلى الله عليه وسلم- وعلى آلهِ وأصحابهِ والتابعينَ لهُ بإحسانٍ إلى يومِ الدين. أمَّا بعد.
فيا أيُّها الناسُ: اتقوا اللهَ تعالى واعبُدُوهُ واشكُروا لهُ إليهِ تُرجَعُون.
أيُّها المُسلمُون:
حديثي إليكُم في هذهِ الجُمعةِ عن السَّفرِ وآدابهِ وأحكامهِ المهمةِ، والمخالفاتِ التي تقعُ فيه .
معشر المسلمين: لقد مَنَّ اللهُ سُبحانَهُ وتعالى علينا بنعمٍ عظيمه، ومننٍ جسميه، فلهُ سُبحانَهُ الحمدُ في الأوُلى والآخرةِ، وهو الحكيمُ الخبير .
أمَا هدانا اللهُ للإسلامِ، وجعلَنا من خيرِ أمّةٍ أُخرجت للناسِ، ( وما كُنَّا لنهتديَ لو لا أن هدَنا الله ) .
أَمَا بُعثَ فينا محمداً صلى الله عليه وسلم: (( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) ) (آل عمران:164) .
أما وهبَنَا الأمنَ والاطمئنانَ والصحةَ في الأبدان، ورغدَ العيشِ، قال الله تعالى: (( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ) ) (العنكبوت: 67) .
وقال الله تعالى: (( أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) ) (القصص: 57) .
(( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ) ) (النحل: 18) . (( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ) ) (النحل: 53) .
أما سَخّرَ لكم المراكبَ البريةِ والبحريةِ والجوية، تنقُلُكم من مدينةٍ إلى أخرى، بل من قارةً إلى أُخرى وبأسرعِ الأوقاتِ، قال سُبحانَهُ: (( وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ* وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) ) (النحل: 5:9) .
أيُّها المسلمون: كم في إيجادِ هذهِ المصنوعاتِ السائرةِ، وتلكَ الوسائلِ الباهرة، من آياتِ الإيمانِ المتكاثرة، وكم أسبغَ اللهُ بها على العبادِ من نعمهِ الباطنةِ والظاهرة.
وكم في سُوءِ استعماِلها من أنواعِ المُخاطَرةِ في الدُنيا والآخرة، فا شكُروا اللهَ تعالى على عظيمِ نعمتهِ، استخدِموا هذهِ الأشياءَ في طاعتهِ، لتفوزُوا برضاهُ وجنتهِ.
أيَّها المسلمون: إنَّ السفرَ هو قطعُ المسافاتِ بنيَّةِ السفرِ، وسُمّيَ سفراً لأنَّهُ يُسفرُ عن وجوهِ المُسافِرين وأخلاقِهم، فيُظهرَ ما كانَ خافياً منها، رَوى ابن أبِّي الدنيا أنَّ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه رأَى رجلاً يُثني على رجلٍ فقال: أسافرتَ معهُ ؟ قال: لا قالَ أخالطتهُ قال: لا، قال: والله الذي لا إلهَ إلاَّ هُو ما تعرِفُهُ) .
عبادَ الله: مع أنَّ السفرَ قطعةٌ من العذابِ، ومظنهٌ للتعبِ والنصبِ حتى وإن تَطوَّرت وسائلُ النقل، وتيسرتِ السبل، إلاَّ أنَّهُ لا بُدَّ منهُ للناسِ إمَّا لحجٍ أو عمرةٍ، أو جهادٍ، أو طلبِ علمٍ، أو رزقٍ، أو صلةِ رحم، أو غير ذلكَ كما قيل في فوائدهِ:
تغرّب عن الأوطانِ في طلبِ العُلى وسافر ففي الأسفارِ خمسُ فوائدِ
تفرِجُ هّمٍ واكتسابُ معيشةٍ وعلمٌ وآدابٌ وصحبةُ ماجدِ.
قال بعضُهم: ( من فوائدِ السفرِ، أنَّ صاحبهُ يرى من عجائبِ الأمصار، ومن بدائعِ الأقطارِ، ومحاسنِ الآثار، وما يزيدُهُ علماً بقدرةِ اللهِ تعالى، ويدعُوهُ إلى أن يشكرَ نِعَمَهُ ) .
ومن فوائدِ السفرِ: استجابةُ الدعاءِ، روى أبو داودَ والترمذي عنهُ رضي الله عنه قال: (( ثلاثُ دعواتٍ مستجاباتٍ لا شك فيهنَ، دعوةُ المظلوم، ودعوةُ الوالد، ودعوةُ المسافر ) ).
وعندَ سفرِ المُسلمِ أو المُسلمةِ يُكتبُ لهُ ما كانَ يعملُ من الصالحاتِ قبلَ السفر، روى البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسولُ صلى الله عليه وسلم: (( إذا مرضَ العبدُ أو سافرَ كُتبَ لهُ ما كانَ يعملهُ مقيماً صحيحاً ) ).
أيُّها المُسلمُ المسافرُ: عليكَ بوصيةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقد روى الترمذي أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله: أُريدُ أن أُسافر، فأوصني فقال صلى الله عليه وسلم: (( عليك بتقوى الله والتكبيرِ على كلِّ شَرَفٍ- أي مُرتفع- فلمَّا وَلّى الرجلُ قال: اللهمَّ أطوِ لهُ البُعدَ وهوِّن عليه السفر ) ). وفي الترمذي أيضاً أنَّهُ جاءَ إليهِ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقالَ: (( يا رسولَ الله إنِّي أريدُ سفراً فزوّدني قال: زوَّدكَ اللهُ التقوى، قال زدنِي قال وغفرَ ذنبك، قال زدني ـ بأبِي أنت وأمي ـ قال: ويسَّرَ لكَ الخيرَ حيثُ ما كُنت ) ).
أيُّها المُسلمون: هذهِ تنبيهاتٌ أُذكِّرُ بها كلُّ مسافرٍ إضافةً إلى ما سبق.
* حينما يخطرُ ببالكَ السفرُ فعليكَ بصلاةِ الاستخارةِ، ثبتَ في صحيحِ البخاري عن جابرِ بن عبد اللهِ قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعلمُنا الاستخارةَ في الأمورِ كُلَّها كما يعلمُنا السورةَ في القرآن يقول: ( إذا هَمَّ أحدُكم بالأمرِ فليركع ركعتينِ من غيرِ فريضةٍ ثم ليقل:(( اللهمَّ إِني أستخيركَ بعلمكَ وأستقدرُكَ بقُدرتِكَ، وأسألُكَ من فضلكَ العظيم، فإنَّكَ تقدرُ ولا أقدر، وتعلمُ ولا أعلم، وأنتَ علاَّم الغيوب، اللهمَّ إن كُنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرُ خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبةُ أمري ، أو قال: عاجلُ أمرِي وآجِلهِ فاقدرهُ لي ويَسّرهُ لي، ثُمَّ بارك لي فيهِ، وإن كُنتَ تعلمُ أن هذا الأمرُ شَرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبةُ أمري ـ أو قال: عاجلُ أمري وآجِلهِ فأصرفهُ عني واصرفني عنهُ، وأقدر لي الخيرَ حيثُ كانَ، ثُمَّ أرضني قال ويُسمي حاجتهُ ) ).
* عليك بردِ المَظالمِ وقضاءِ الديونِ، وكتابةِ الوصيةِ وجميعِ مالكَ أو عليك.
* أبحث عن رفقهٍ صالحةٍ يُعينُونكَ على أمورِ دِينكَ ودُنيَاكَ، وإيَّاكَ أن تُسافرَ وحدَكَ ولا سيما بالليلِ، روى البخاري والترمذي من حديثِ عُمر أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قال: (( لو يعلمُ الناسُ ما في الوحدةِ ما أعلمُ ما سارَ راكبٌ بليلٍ وحده ) ).
وأخبرَ صلى الله عليه وسلم: (( أنَّ الراكبَ شيطان، والراكبانِ شيطانان، والثلاثةُ ركب ) ) [1] .
قال الخطابي ـ رحمهُ الله ـ ( معناهُ أن التفردَ والذهابَ وحدهُ في الأرضِ من فعلِ الشيطانِ، أو هُو شيءٌ يحملهُ عليهِ الشيطانُ ويدعُوهُ إليهِ، وكذلكَ الاثنان، فإذا صارُوا ثلاثةً فهو ركبٌ: أي جماعةٌ وصحبه) (أ.هـ) .