فهرس الكتاب

الصفحة 9142 من 9994

أيها المؤمنون إن من طرائق التقوى في هذا الموسم الكريم ما داوم عليه نبينا صلى الله عليه وسلم من اعتكاف العشر الأخير من هذا الشهر ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأخير من رمضان والاعتكاف أيها الناس لزوم بيت من بيوت الله طاعة لله ورغبة في الدار الآخرة ، فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة فـ:

طوبى لمن كانت التقوى بضاعته في شهره وبحبل الله معتصما

اللهم أعنا على الطاعة والإحسان ووفقنا إلى ما تحب وترضى من الأقوال والأعمال .

?يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ? (14)

الخطبة الثانية

أما بعد..

فاتقوا الله أيها الناس ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ? (15) فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر.

أيها المسلمون إن من أوسع الطرق الموصلة إلى الله تعالى وأقصرها في هذا الشهر وفي بقية العمر دعاء الله تعالى و سؤاله وإنزال الحوائج به فـ (( الدعاء هو العبادة ) ) (16) ?َوَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ? (17) وفي الحديث: (( من لم يسأل الله يغضب عليه ) ) (18) فأكثروا أيها المسلمون سؤال الله ودعاءه في الشدة والرخاء في السراء والضراء اسألوه من خير الدنيا والآخرة ?رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ? (19) تحروا مواطن الإجابة فإن للصائم دعوة مستجابة و أرجى ما تكون عند فطره وفي كل ليلة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه الله إياه وذلك كل ليلة وفي آيات الصيام قال الله تعالى: ?وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ? (20) فادعوا الله بقلوب خاشعة منكسرة ذليلة ملحة سلوا الله كل شيء سلوه الدقيق والجليل فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع واعلموا أن خير ما تسألونه الله تعالى في الدنيا والآخرة الهداية ?اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ? (21) فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر.

أيها المؤمنون هذه أبواب الخير مشرعة وسبله ممهدة فاستبقوا الخيرات قبل فواتها

فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلاً

اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى .

(1) النحل:53

(2) سورة: النبأ: آيات ( 31 ـ36) .

(3) البخاري (38 ) ، ومسلم ( 760) .

(4) البخاري (37) ، ومسلم ( 759) .

(5) سورة: السجدة: آية (17) .

(6) سورة: القدر: آية (3 ـ5 ) .

(7) البخاري (1901) ، ومسلم ( 760) .

(8) سورة: البقرة: آية ( 185) .

(9) سورة: الإسراء: آية (9) .

(10) البخاري (4998) ، مسلم ( 2450) .

(11) سورة: ص: آية (29) .

(12) البخاري (6) ، ومسلم ( 2308) .

(13) سورة: البقرة: آية (268) .

(14) فاطر:15.

(15) سورة: البقرة: آية (183) .

(16) أخرجه: أحمد (17888) ، والترمذي (2969) ، وابن ماجه ( 3828) كلهم من طريق الأعمش عن ذر عن يسيع الكندي= =عن النعمان بن بشير ، وتابع الأعمش منصور بن المعتمر عند الترمذي (3247) وأبي داود ( 1479) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ، وصححه الألباني.

(17) سورة: غافر: آية (60) .

(18) أخرجه: الترمذي (3373) من طريق قتيبة قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل عن أبي المليح عن أبي صالح عن أبي هريرة ومداره على أبي صالح هذا فقد اختلف في نسبته فظن ابن كثير أنه أبو صالح السمان ، قال الحافظ في الفتح: ( وليس كما قال فقد جزم شيخه المزي في الأطراف بما قلته ) أي: إنه أبو صالح الخوزي وهو مختلف فيه فضعفه ابن معين وقال أبوزرعة: لا بأس به ، وهو حسن لشواهده ولكون الضعف هنا محتملاً ، وحسنه الألباني.

(19) سورة: البقرة: آية (201) .

(20) سورة: البقرة: آية (186) .

(21) الفاتحة:6.

الخطبة الأولى:

أما بعد. . .

فيا أيها المؤمنون اتقوا ربكم واشكروه أن من عليكم بإدراك هذا الشهر العظيم الذي أنزل فيه أحسن كتبه وبعث فيه خاتم رسله وفيه أظهر أمر رسوله يوم بدر، وخلّص بيته من المشركين على يد رسوله يوم الفتح فالحمد لله أولاً وآخراً والحمد لله ظاهراً وباطناً.

أيها المؤمنون، قد أظلكم شهر كريم وموسم عظيم فيه تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتسلسل الشياطين، نوع الله فيه أبواب الخير الموصلة إليه وصنوف البر التي تقرب منه فهو من أعظم مزارع الآخرة

الخير باد فيك والإحسان والذكر والقرآن يا رمضان

والليل فيك نسائم هفهافة حنت لطيب عبيرها الرهبان

أتى رمضان مزرعة العباد لتطهير القلوب من الفساد

فأد حقوقه قولاً وفعلاً وبادر فيه أزواد المعاد

فمن أعظم صنوف البر في هذا الشهر الكريم أبواب الخير في هذا الشهر، أيها المؤمنون إن أبواب الخير في هذا الشهر المبارك كثيرة فأبواب الخير فيه مشرعة وطرقه ميسرة وسبله ممهدة في أصناف متنوعة فمن أبواب الخير:

الصيام الذي يغفر به الله ما تقدم من السيئات ويبلغ به العبد العالي من الدرجات فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (1) متفق عليه. فصيام هذا الشهر سبب لغفران الذنوب بشرط أن يكون الصوم لله تعالى لا رياء ولا سمعة ولا عادة بل عبادة لله رغباً ورهباً. وهذا فضل صيام رمضان خاصة وأما فضائل الصيام عموماً فذاك بحر بعيد ساحله ويكفي في ذلك قول الله تعالى في الحديث القدسي: (( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ) ) (2) متفق عليه.

ومن صنوف البر في هذا الشهر الكريم قيام الليل الذي تواردت في الحث عليه وبيان فضله الأخبار إذ فيه تسكب العبرات وتمحى السيئات وتحصل به الدرجات وقد خص قيام هذا الشهر بمزيد فضل فعن أبي هريرة رضي الله عنه: (( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (3) متفق عليه.

وقيام رمضان يتحقق بالمحافظة على صلاة التراويح وعدم الانصراف منها إلا إذا انتهت. فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: صمنا مع رسول الله رمضان فلم يقم بنا شيئاً في الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل فلما كانت السادسة لم يقم بنا فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل فقلت: يا رسول الله لو نفلت قيام هذه الليلة؟ قال: فقال: (( إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسب له قيام الليلة ) ) (4) رواه الأربعة بسند جيد. وهذا يفيد أن من صلى مع الإمام ولم يفارقه حتى ينصرف كُتب له قيام هذه الليلة وإذا حافظ على ذلك جميع ليالي الشهر يكون قد قام رمضان ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ومن حافظ على ذلك أيضاً حصّل فضل قيام ليلة القدر التي هي إحدى ليالي الشهر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في فضلها: (( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (5) متفق عليه. فكن أيها الموفق الراغب في الفوز برضا الله الكريم ممن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت