وقبل أن يتدخل الغرب عسكرياً في السودان فقد تدخل بمؤسساته وهيئاته ومنظماته التي غُلفِّت بغلاف الإغاثة والإنسانية، والواقعُ أنها منظماتٌ وهيئات تنصيرية تُمهد للغزو العسكري، ومن عجب أن تُرمى الهيئات والمنظماتُ والجمعيات الإسلامية بالتطرف والإرهاب وتُحاصر وتمنع وهي التي تمارس الإغاثة النَّزيهة على حين تُدعى بل تُسهل مهمةُ مؤسساتهم ومنظماتهم الغربية المشبوهة، وهنا يرد السؤال، وإذا كان الهدفُ إغاثياً فأين الهيئات والمنظمات الإسلامية عن (غرب السودان) ؟ هل لها وجود؟ وهل هو بالقدر الكافي؟ هل تُمنع أو تُقيد حركتها؟ أم يرجع التقصير للمسلمين، ومن حق أهل السودان أن يتساءلوا وأين دور هيئات المسلمين في السودان؟
أما وطبولُ الحربِ تُقرع للتدخل الأجنبي في السودان فثمة تساؤلات، ما موقف العرب والمسلمين من التدخل الأجنبي في بلادهم؟ هل للغرب وصاية على المسلمين؟ وأين هم من إرهاب الصهاينة اليهود في فلسطين؟ هل يتدخلون لكف أيدي السفاحين هناك حيث القتل الجماعي للأطفال والشيوخ والنساء؟ وحيث يُهلك الحرث والنسل، ويشرد الملايين من اللاجئين؟
إننا لا نلوم الغرب في تعاطفه مع اليهود، فالهدفُ مشترك في القضاء على الإسلام والمسلمين، ولكنا نتساءل عن دور المسلمين في نصرة إخوانهم المسلمين، والأمرُ لم يعد مطلباً شرعياً تؤكده نصوصُ الوحيين في نصرة المسلمين وتحقيق معنى الأخوة الإسلامية، بل بات مطلباً عقلياً تمليه مقتضيات السياسة والحفاظ على الذات، فالمستعمرون يسيرون وفق مخططٍ مرسوم يستهدفون الأطراف والهوامش ابتداءً ليصلوا في النهاية إلى القلب والصميم، وبقدر ما يسكت المسلمون عن إخوانهم بقدر ما يعجلون وصول العربة إليهم، أين دورُ جامعة الدول العربية؟ وما موقفُ منظمة المؤتمر الإسلامي؟ أين صوتُ الهيئات والمنظمات الإسلامية العالمية مما يُراد للسودان وما يخطط له بعد السودان؟ بل وأين دور الحكومات والشعوب الإسلامية من صلف الغرب واستنْزاف المسلمين قبل أن تغرق السفينة ؟
أحمد فريد
الإسكندرية
غير محدد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-تحذير النبي أمته من الوقوع في فتن الدنيا وملاذها. 2- متى يكون العطاء في الدنيا فتنة. 3- شرح حديث (أخوف ما أخاف عليكم) .
الخطبة الأولى
أما بعد:
خرّجا في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي قال: (( إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض، قيل: ما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا، قال رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله حتى ظننت أنه ينزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه قال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: لا يأتي الخير إلا بالخير، وإن هذا المال خضرة حلوة، وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا أو يلم، إلا آكلة الخضر أكلت، حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت، وإن هذا المال خضرة حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ) ) (1) [1] ).
كان النبي يتخوف على أمته من فتح الدنيا عليهم، فيخاف عليهم الافتتان بها، ففي الصحيحين عن عمرو بن عوف أن النبي قال للأنصار لما جاءه مال من البحرين: (( أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم ) ) (2) [2] ).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن النبي قال: (( إذا افتتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله عز وجل، فقال رسول الله: أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ) ) (3) [3] ).
قوله: (( إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض ) ).
لما سمّى النبي ذلك بركات، وأخبر أنه أخوف ما يخاف عليهم أشكل ذلك على بعض من سمعه حيث سماه بركة، فإن البركة إنما هي خير ورحمة، وقد سمى الله تعالى المال خيرا في مواضع كثيرة من القرآن فقال تعالى: وإنه لحب الخير لشديد [العاديات:8] . وقال: إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين [البقرة:180] .
وقال تعالى عن سليمان عليه السلام: إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي [ص:32] ، فلما سأله السائل: (هل يأتي الخير بالشر) صمت النبي حتى ظنوا أنه أوحي إليه، والظاهر أن الأمر كذلك، ويدل عليه أنه ورد في رواية لمسلم في هذا الحديث: (فأفاق يمسح عنه الرحضاء) ، وهو العرق، وكان النبي إذا أوحي إليه ينحدر منه مثل الجمان من العرق من شدة الوحي وثقله عليه.
وفي هذا دليل على أنه كان إذا سئل عن شيء لم يكن أوحي إليه فيه شيء انتظر الوحي فيه ولم يتكلم فيه بشيء حتى يوحى إليه فيه، فلما نزل عليه جواب ما سئل عنه قال: أين السائل؟ قال: ها أنا، فقال النبي: (( إن الخير لا يأتي إلا بالخير ) )، وفي رواية لمسلم: (( أو خير هو ) )في ذلك دليل عن أن المال ليس بخير على الإطلاق، بل منه خير ومنه شر، ثم ضرب مثل المال، ومثل من يأخذه بحقه وبصرفه في حقه، ومن يأخذه من غير حقه ويصرفه في غير حقه، فالمال في حق الأول خير، وفي حق الثاني شر، فتبين بهذا أن المال ليس بخير مطلق، بل هو خير مقيد إذا استعان به المؤمن على ما ينفعه في آخرته كان خيرا له، وإلا كان شرا له.
فأما المال فقال إنه خضرة حلوة ، وقد وصف المال والدنيا بهذا الوصف في أحاديث كثيرة ففي الصحيحين عن حكيم بن حزام: (( أنه سأل النبي فأعطاه، ثم سأله فأعطاه ثم سأله فقال له النبي يا حكيم: إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع ) ) (4) [4] ).
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: (( إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) ) (5) [5] ).
واستخلافهم فيها هو ما أورثهم الله منها، مما كان في أيدي الأمم من قبلهم كفارس والروم، وحذرهم من فتنة الدنيا عموما ومن فتنة النساء خصوصا، وهذا من الخاص بعد العام لمزيد الاهتمام لأن النساء من الدنيا، بل النساء أول ما ذكره الله عز وجل من شهوات الدنيا في قوله: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل والمسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا .
وقوله: (( وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا أو يلم، إلا آكلة الخضر ) )مثل ضربه رسول الله لزهرة الدنيا وبهجة منظرها وطيب نعيمها وحلاوته في النفوس، فمثله كمثل نبات الربيع وهو المرعى الأخضر فإن البهائم تحبه وتكثر من الأكل منه أكثر من قدر حاجتها، لاستحلائها له فإما أن يقتلها فتهلك وتموت حبطا، والحبط: انتفاخ البطن من كثرة الأكل، أو يقارب قتلها ويلم بها فتمرض مرضا، مخوفا مقاربا للموت.
فهذا مثل من يأخذ من الدنيا بشره وجوع نفس من حيث لاحت له لا بقليل يقنع، ولا بكثير يشبع، ولا يحلل ولا يحرم، بل الحلال عنده ما حل بيده وقدر عليه، والحرام ما حرم منه وعجز عنه.
تنفى اللذاذة ممن نال لذتها من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار