وكثير من السلف الصالح مات وهو على طاعة داوم عليها فترة حياته:
فهذا أبو الحسن النساج لما حضره الموت غشي عليه عند صلاة المغرب، ثم أفاق ودعا بماء فتوضأ للصلاة ثم صلى ثم تمدد وغمض عينيه وتشهد ومات.
وهذا ابن أبي مريم الغساني لم يفطر مع أنه كان في النزع الأخير، وظل صائمًا، فقال له من حوله: لو جرعت جرعة ماء، فقال بيده: لا، فلما دخل المغرب قال: أذّن، قالوا: نعم، فقطروا في فمه قطرة ماء، ثم مات.
ولما احتضر عبد الرحمن بن الأسود بكى فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: أسفًا على الصلاة والصوم، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات.
وهذا أبو حكيم الخبري كان جالسًا ينسخ الكتب كعادته، فوقع القلم من يده وقال: إن كان هذا موتًا، فوالله إنه موت طيب، فمات.
وعن الفضل بن دكين قال: مات مجاهد بن جبر وهو ساجد.
أقول قولي هذا...
الخطبة الثانية
وبعد: فإن حسن الخاتمة هي أن يوفّق العبد قبل موته للتوبة عن الذنوب والمعاصي والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة.
ومما يدل على هذا ما روى أحمد في مسنده قال: (( إذا أراد الله بعبده خيرًا استعمله ) )، قالوا: كيف يستعمله؟ قال: (( يوفقه لعمل صالح قبل موته ) ).
ومن العلامات التي يظهر بها للعبد حسن خاتمته ما يُبشّر به عند موته من رضا الله تعالى واستحقاقه كرامته تفضلاً منه تعالى، كما قال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] . وهذه البشارة تكون للمؤمنين عند احتضارهم وفي قبورهم وعند بعثتهم يوم القيامة. وفي الصحيحين قال: (( المؤمن إذا بُشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه ) ).
ومن علامات حسن الخاتمة الموت على عمل صالح لما رواه أحمد في مسنده قال: (( من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله وختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوما ابتغاء وجه الله خُتم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ختم له بها دخل الجنة ) ).
ولكي يدرك العبد المؤمن حسن الخاتمة فينبغي له أن يلزم طاعة الله وتقواه والحذر من ارتكاب المحرمات فقد يموت عليها، والمبادرة إلى التوبة من الذنوب.
أما الخاتمة السيئة فهي أن تكون وفاة الإنسان وهو معرض عن ربه جل وعلا، مقيم على ما يسخطه سبحانه، مضيع لما أوجبه الله عليه، ولا ريب أن تلك نهاية بئيسة، طالما خافها المتقون، وتضرعوا إلى ربهم سبحانه أن يجنبهم إياها.
ومن أسباب سوء الخاتمة أن يصر العبد على المعاصي ويألفها، فإن الإنسان إذا ألف شيئًا مدة حياته وأحبه وتعلق به فالغالب أنه يموت عليه، قال ابن كثير رحمه الله:"إن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت"، ويقول ابن القيم رحمه الله:"وسوء الخاتمة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، إنما تكون لمن له فساد في العقيدة أو إصرار على الكبيرة أو إقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل عليه الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوية ويصطدم قبل الإنابة والعياذ بالله."
إخواني، فالواجب علينا إن مات أحد المسلمين ميتة سوء وهو على معصية من المعاصي أن نستعيذ بالله من ميتةٍ كميتته، وأن ندعو له، وأن لا نشهر به في المجالس، فقد أفضى إلى ما قدّم. ولكن مع ذلك يجب علينا أن لا نمجد ميتته هذه، وأن لا نتكلم في وسائل الإعلام بأنه مات في ساحة النضال وميدان البطولة والشرف، وأن ميتتة كانت من أجمل الميتات؛ لأن هذه الأمة لا تعرف إلا ساحة نضال واحدة وميدان بطولة واحد، وهو جهاد أعداء الله عز وجل، ولأن أجمل ميتة في التاريخ هي الموت على طاعة الله عز وجل.
ولكن وسائل الإعلام كعادتها درجت على خلخلة المفاهيم الصحيحة في عقول الناس، وجعلت المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وخاصة تلك الفضائيات التي أمسك بزمامها من لا خلاق لهم ولا أخلاق، وحملوا على عاتقهم إفساد هذه الأمة وتغيير ثوابها، فبئس ما يقولون وما يفعلون.
ألا وصلوا وسلموا على خير البرية...
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاةُ والسلام على سيد المرسلين، وعلى آلهِ وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:
لابدَّ أن نعلمَ جميعاً أنَّ أساليبَ المنافقين في إفسادِ المرأةِ المسلمةِ، وطموحاتهِم لا تتوقفُ عند حدٍ معين ، بل يُريدون أن يحيوا حياةَ الإباحيةِ - الحرية - كما يزعمون - في بلاد الحرمين بدون تحفظ ، وكلَّما حققوا خطوةً في ذلك سعوا إلى إنجازِ خطوةٍ أُخرى ، وتباكوا على ظلمِ المرأة ، حتى يحققوا تقدماً آخر ، ولكن إلى دربِ الشقاءِ والضلالِ وعالم ِالرذيلةِ .
أيُّها الأخوةُ في الله:
ما دورُنا تجاه تلك الأحداثِ التي تدارُ خلف الكواليس للقضاءِ على عفافِ نسائِنا وطهرهنَّ وحيائهنَّ، إنَّ موقفنَا يتلخصُ في عدةِ أمور:
أولاً: الحذرُ من كيدهِم وخبثهِم، يقولُ الله تعالى: (( يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) ) (المنافقون: من الآية4) .
فيجبُ الحذرُ من هذا العدوِّ الشرس بمختلفِ أنواعِ الحذرِ، ومن ذلك عدمُ السماعِ لقولهم، والإعراضُ عنهم خاصةً ممن لا يستطيعُ مدافعتَهم والردَ عليهم .
ثانياً: التحلي بالصبر والتقوى في مواجهةِ هؤلاء، فكلَّما كان صبرنُا أقوى، وتقوانا للهِ أتم، كان كيدُهم مهزوزاً كبيت العنكبوت، يقول الله تعالى: (( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ) (آل عمران: من الآية120) .
إذن هو الصبرُ والعزمُ والصمودُ أمام قوتهِم إن كانوا أقوياء ؛ وأمام مكرهم إن سلكوا طريقَ الوقيعةِ والخداع ، الصبرُ والتماسكُ لا الانهيارُ والتخاذل ؛ ولا التنازلُ عن العقيدةِ أو بعضِها اتقاءً لشرهم المتوقع، أو كسباً لودهم، ثُمَّ هي التقوى: الخوفُ من اللهِ وحدهَ ، ومراقبتُه وحدهَ ، تقوى اللهِ تعالى التي تربطُ القلوبَ بالله ، فلا تلتقي مع أحدٍ إلاَّ في منهجه ، ولا تعتصمُ بحبلٍ إلا بحبله، وحين يتصل القلبُ بالله فإنَّهُ سيحقرُ كلَ قوةٍ غيرِ قوتِه ، وستشدُ هذه الرابطةُ من عزيمتهِ ، فلا يستسلمُ من قريب ، لا يوادُ من حادَّ اللهَ ورسولَه ، طلباً للنجاة أو كسباً للعزة !!
هذا هو الطريقُ أمام كيدِ الأعداءِ: الصبرُ والتقوى، التماسكُ والاعتصامُ بحبل الله، ومااستمسك المسلمون في تاريخهم كلهِ بعروة اللهِ وحده، وحققوا منهج اللهِ في حياتهِم كلِّها، إلا عزوا وانتصروا ، ووقاهمُ اللهُ كيدَ أعدائهِم ، وكانت كلمتُهم هي العليا، وما استمسكَ المسلمون في تاريخهم كلهِ بعروة أعدائهم، الذين يُحاربون عقيدتهَم ومنهجهَم سراً وجهراً ، واستمعوا إلى مشورتهِم، واتخذوا منهم بطانةً وأصدقاءَ، وأعواناً وخبراءَ ومستشارين، إلاَّ كتب اللهُ عليهم الهزيمةَ، ومكَّن لأعدائهم فيهم، وأذلَّ رقابهَم ، وأذاقهم وبالَ أمرهِم، والتاريخُ كلُه شاهدٌ على أن كلمةَ اللهِ خالدة ، وأنَّ سنةَ اللهِ نافذةٌ ، فمن عميَّ عن سنةِ اللهِ المشهودةِ في الأرض، فلن ترى عيناهُ إلاَّ آياتِ الذلةِ والانكسِار والهوانِ . [1]