ثالثاً: التضرعُ بين يدي الواحدِ القهار العزيزِ الجبار في أوقات الأسحارِ، أو لأهلِ الصيامِ قبلَ الإفطار، أو بين الأذانِ والإقامةِ، أو في السجود، وأقربُ ما يكونُ العبدُ من ربهِ وهو ساجد، نتضرعُ بين يدي الله تعالى في أن يكفينَا شرَ هؤلاء بما يشاء، وألاَّ يقيمَ لهم رايةً، وأن يجعلَهم لمن خلفهم عبرةً وآية، فالدعاءُ سلاحٌ عظيمٌ لا يُستهانُ به، فطالما قُلبت الموازين، فجعل الضعيفُ قوياٌ، والفقيرُ غنياٌ .والذليلُ عزيزاٌ: (( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) ) (غافر: من الآية60) .
ويقولُ اللهُ تعالى: (( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) ) (البقرة:186) .
ودعوةُ المظلومِ مستجابةٌ، وهم قد ظلموا العبادَ بجلبِ أسبابِ الفسادِ، وقدموا لهم كلَ جديدٍ في عالمِ الرذيلةِ والفاحشةِ، فلا نتوانا جميعاً الشيخُ الكبيرُ، والمرأةُ الصالحةُ، والشابُ المؤمنُ، كلنُا جميعاً نرفعُ أكفَّ الضراعةِ بين يدي اللهِ تعالى أن يشغلَهم بأنفسهم، وأن يكفينَا إياهم بما يشاءُ إنَّه سميعُ الدعاء، ولن تخلَو هذه الأمةُ - بإذن الله - من رجلٍ صالحٍ أو امرأةٍ صالحة، لو أقسم على اللهِ لأبره، فمن يدعو أيُّها الأخوةُ والأخوات ؟ ومن يبتهلُ بين يدي الله تعالى ؟
رابعاً: أن يتحركَ أهلُ العلمِ للتصدي لهؤلاءِ المنافقين، بشكلٍ أكبر ،يقول الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) ) (التوبة:73) .
وجهادُ هؤلاءِ يكون باللسانِ كما بين ذلك العلماءَ، وذلك في حقِ غيرِ الإمام، فيجبُ على العلماءِ والدعاةِ والقادرين من طلبةِ العلم، يجبُ عليهم جهادُهم باللسانِ والقلمِ، ومختلفِ أنواعِ البيانِ ، فيمُاطُ اللثامُ عن وجوههم الكالحة ، وتُسلطُ الأضواءُ على وظيفتِهم التي يسرَّها الاستعمارُ لهم، ووقف بعيداً ينتظرُ نتائجَها المُرة . ولا مانع إذا دعت الحاجةُ من الجهرِ بأسمائِهم وتعيينِ أشخاصِهم ، إذا تبينتِ الأحوالُ، وتظافرتُ القرائنُ، وتوفرت الوثائق ، وظهرَ من خلال أقوالهِم أو أعمالهِم ما يدلُ على سوءِ قصدِهم ، وخبثِ النية ، وإشاعةِ الفاحشةِ ،ونشرِ الفسادِ ، والتهيئةِ للباطلِ وحربِ الحقِ .
خامساً: إن أهلَ العلمِ - هم أوْلى الناسِ بنصرةِ قضيةِ المرأةِ والدفاعِ عن حقوقهِا المشروعةِ، وانتقادِ الظلمِ الذي ينالهُا، ومن ذلك: حقُها في حسنِ الرعايةِ والعشرةِ؛ فبعضُ الأزواجِ يسيءُ معاملةَ زوجتِه ويهينُها، وربما تعامل معها على أنها خادمٌ أو سلعةٌ، أو شيءٌ دنس، ومن ذلك: الأوضاعُ الخاطئةُ والعاداتُ المخالفةُ للشرع في تزويجها، كالمغالاةِ في المهرِ، واعتبارهِ ميداناً للكسبِ المادي، وأخذِ والدهِا لكثيرٍ من مهرهِا الذي هو حقٌ لها، ومن ذلك العَضْلُ، وتأخيرُ تزويجِها طمعاً في الاستفادةِ من راتبِها حين تكون عاملة، وأهلُ العلمِ حين يسعونَ لمُناصرةِ قضايا المرأةِ والدفاعِ عنها، لهم أسوةٌ حسنةٌ بالنبي r ؛ فقد اعتنى بعلاجِ ما يقعُ من خطأٍ تجاه المرأةِ؛ فعن سليمانَ بنِ عمروِ بنِ الأحوصِ قال: حدثني أبي أنه شهدَ حجةَ الوداعِ مع رسولِ الله r ، فحمد الله وأثنى عليه، وذكَّر ووعظ، فذكر في الحديث قصةً فقال: (( ألا واستوصوا بالنساء خيراًَ؛ فإنما هُنَّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنَّ شيئاً غيرَ ذلك، إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينة؛ فإن فعلن فاهجروهنَّ في المضاجع واضربوهن ضرباً غيرَ مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً. ألا إنَّ لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً؛ فأمَّا حقكم على نسائكم فلا يوطِئن فُرُشَكم من تكرهون، ولا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهُنَّ عليكم أن تحسنوا إليهنَّ في كسوتهنَّ وطعامهن ) ).
وعن إياس بنِ عبد الله بنِ أبي ذباب قال: قال رسول الله r: (( لا تضربوا إماءَ الله ) )فجاء عمرُ إلى رسول الله r فقال: ذَئِرْنَ- أي نفرن - النساءُ على أزواجهِن؛ فرخص في ضربهن، فأطاف بآلِ رسول الله r نساءٌ كثير، يشكون أزواجَهنَّ فقال النبيُ r: (( لقد طاف بآلِ محمدٍ نساءٌ كثيرٌ يشكين أزواجَهن ليس أولئك بخياركم ) )والاعتناءُ بهذا الجانبِ يبرزُ العلماءَ وطلبةَ العلم، بأنهم الأنصارُ الحقيقيون للمرأة، وهم المدافعون عن قضيتها.
سادساً: على النساءِ المسلماتِ أن يقفن كالسد العالي، في وجهِ هؤلاءِ، وذلك باعتزازِها بحجابهِا وعنوانِ شرفها، وبقرارها في بيتِها، الذي أصبح الغربُ الكافرُ على كفرهِ يُنادي برجوع المرأةِ إلى بيتِها، وقوامةِ الرجلِ عليها ، وأن يكن كالدرع الواقي في هذه المعركة، فالهجومُ على المرأةِ المسلمةِ إنما هو هجومٌ على قيمِ الإسلام، ذلك أنَّ الدعوةَ إلى تحريرِ المرأةِ المزعومِ إنما هو تسفيهٌ لدينِها الذي هو عصمةُ أمرِها، وهو اختيارُها عبرَ أكثرَ من أربعِمائةٍ وألفٍ من الأعوام، وهو الذي أخرجها من ذُلِ وأسر الجاهليةِ إلى عز الإسلام، فالدعوةُ التحريريةُ المزعومة، دعوةٌ في الواقع إلى إرجاعِها إلى الذلِ والأسرِ من جديد، ودعوةٌ إلى تحويلِها إلى دُميةٍ، لمجردِ المتعةِ على الطريقةِ التي يعرفها دعاةُ التحريرِ في (كان) و (هوليود) و...حيث مسارحُ الرذيلةِ وملاهي الخنا.
لقد ملت هذه الدعواتِ هناك الكثيراتُ من عاقلاتِ الغربِ، وبعضهنَّ نفضن عن كواهلهِن ميراثَ الكفرِ، الذي أورثهُنَّ الذلَ والضياعَ في الدنيا، رغم دعاوى التحررِ والمساواةِ التي يتشدقُ بها دعاةُ الرذيلةِ، الذين لا همّ لهم إلاَّ معاقرةَ الخنا والجريمةِ عن طريق الإيقاعِ بالمرأةِ، واستدراجِها بعيداً عن قلعةِ العفةِ؛ لتكون لُعبةَ الرجلِ المفضلةَ، كما يريدها أصحابُ الفجورِ الذين لا خلاق لهم، إنَّ المرأةَ التي تنطلي عليها هذه المؤامرةُ واحدةٌ من اثنتين: جاهلةٌ لا علمَ لها بشيءٍ على الإطلاق، لا بما يُحاكُ ضدَها ولا بأمورِ دينِها، أو عالمةٌ بما يَدُورُ حولها وبنتائجِ هذه الدعوةِ الخبيثةِ، فتكون في هذه الحالةِ جزءاً من المخططِ الخبيث الذي يُدبرُ بليلٍ ونهار، ليس للإيقاعِ بالمرأةِ فحسب، ولكن للقضاءِ على الإسلام من أساساته، ولن يتمَّ ذلك لدُعاة الهدمِ والتخريبِ بإذن الله ثُمَّ بيقظةِِ الأمةِ عامةً، والمخلصين خاصة ، فليتدبر كلٌ منَّا أمرَه؛ فالخطبُ جسيمٌ، والهجمةُ شرسة، والطريقُ طويل وشاق، والله المستعان.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم
الخطبة الثانية
سابعاً: هذا رسالةٌ لكلِّ مسلمٍ في هذا البلد المبارك ، وفى أي موقعٍ من مواقعِ العمل ، وأقولُ له: إياكَ إياكَ أن يؤتى الإسلامُ من قبلك، سواءً عبرَ أهلِ بيتك، أو بقرارٍ من توقيع يدك في موقعٍٍ رسمي ، أو بسكوتٍ يجعلُ منك شيطاناً أخرساً ليس لك دورٌ .يقول الله تعالى: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) ) (آل عمران: من الآية110) .