هِيَ الأسْبَابُ التي لَابُدَّ مِنْهَا لِنَصْرِ الأُمَّةِ وَأَهَمُّهَا سَبَبَانِ:
الأَوَّلُ: القِيَامُ بِمَا أَمَرَ الله عز وجل
الثَّانِي: الأَخْذُ بالأَسْبَابِ المَادِيَّةِ كَمَا أَمَر الله عز وجل.
وَعَلَى هَذَا فَالمسْلِمُ يُصَدِّقُ بِمَا سَيَجْرِي آخِرَ الزَّمَانِ: سَنُقَاتِلُ اليَهُودَ، سَيَنْزِلُ عِيسَى، نَعَمْ ! سَيَخْرُجُ الدَجَّالُ، نُؤْمِنُ بِهَذَا وَنُصَدِّقُ، لَكِنْ! هلْ نَكْتَفِي بِهَذَا؟!!
لَا! وَإِنَّمَا نَأْخُذُ - أيضًا- بالأسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ؛ وَلِهذَا فَإِنَّ هَذِهِ الأمَّةِ مَطْلُوبٌ مِنْهَا أَنْ تَأْخُذُ بالأسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ تَبْنِي نَفْسَهَا، وَتُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهَا، وَتُوَاجِهُ عَدُوَّهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَسْتَكِينَ، وَتَنَامَ مُنْتَظِرَةً أَشْرَاطَ السَّاعَةِ .
يَعْنِي: هَلْ يَلِيقُ بِالمسْلِمِ أَنْ يَنْتَظِرَ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ حَتَّى إذَا نَزَلَ؛ نَصَرَ الله به هَذِهِ الأمَّةَ!! وَمَتَى يَنْزِلُ؟! هَذَا غَيْبٌ عِنْدَ الله لَا يَعْلَمُهُ إلَّا الله عز وجل، وَقَبْلَ 500 سَنَةٍ، أَو 600 سَنَةٍ، قاَلَ بَعْضُ عُلَمَاءِ المسْلِمِينَ:"سَيَنْزِلُ عِيسَى، وَتَأْتِي السَّاعَةُ عَلَى رَأْسِ الأَلْفِ وَمَعَ هَذَا القَولِ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ شَيءٌ، وَهَذِهِ مِنْ مِئَاتِ السِّنِينَ؛ فَالتَّعَامُلُ مَعَ الفِتَنِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالأَخْذِ بِالأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّة"ِ.
وَأَمْرٌ آخَر: وَنَحْنُ نُصَدِّقُ بِمَا وَرَدَ عَلَى النَبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الأَخْبَارِ الوَاقِعَةِ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَحْذَرَ كُلَّ الحَذَرِ مِنَ التَّسَرُّعِ فِي تَطْبِيقِهَا عَلَى بَعْضِ الوَقَائِعِ، وَالأَحْدَاثِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَتَسَرَّعُ فِي تَطْبِيقِ هَذِهِ الأَشْيَاءَ أَيَّ حَدَثٍ مُعَيَّنٍ يَنْظُرُ فيِ بعْضِ الأَحَادِيثِ، وَبَعْضِ الآثَارِ؛ فَيَرَى أَنَّهَا قَدْ تُرَكَّبُ عَلَى هَذَا الوَضْعِ فَيَأْتِي، وَيُرَكِّبُهَا عَلَيه، وَيَبْدَأُ يُسَابِقُ الحَدَثَ؛ لِيُوَاكِبَ النُّصُوصَ، أَو لِيُسَابِقَ النُّصُوصَ التي تُوَاكِبُ الحَدَثَ، فهذا خَطَأٌ؛ فَعَلَينَا أَنْ نَأْخُذَ بالأَسْبَابِ المشْرُوعَةِ يَعْنِي: أَنَّ الإنْسَانَ لَا يَسْتَعْجِلُ فِي إِنْزَالِ الأُمُورِ مَنَازِلَها، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ اتِّجَاهَهَا تَصَرُّفًا غَير حَكِيمٍ، رُبَّمَا يَتَّخِذُ فِيهِ مَوَاقِفَ غَيرَ مَدْرُوسَةٍ، وَغَيرِ مَبْنِيَّةٍ، عَلَى تَأْصِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَهَذَا هُوَ الذِي وَقَعَ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ، فَتَجِدُهمْ مَثَلًا أَيَّدُوا شَخْصِيَّةً مُعَيَّنَةً أَو قَائِدًا مُعَيَّنًا تَأْيِيدًا عَظِيمًا، لِمَاذَا ؟! قالوا: وَرَدَ في الأحَادِيثِ أَنَّهُ سَيَنْصُرُ الدِّينَ وَلَو كانَ طَاغُوتًا مِنَ الطَّوَاغِيتِ!! كَيفَ تَأْتِي أَنْتَ، وَتَسْتَعْجِلُ، وَتَظُنُّ أَنَّهُ سَيَنْصُرُ الله عز وجل.
َبَعْضُ الناسِ يظنُّ أنَّ الفتنَ خاصَّةٌ بالشَّرِّ ، فإذَا نزَل بالمسلمين أو بأيِّ أمةٍ منَ الأمَمِ نَازِلَةٌ من بَلاءٍ ومُصِيبَةٍ، ونحو ذلك؛ ظَنَّ أنَّ هذه هي الفِتْنَةُ، وَالبَلِيَّةُ التي أَصَابَتْهُم
الأُسُسُ التي يَجِبُ عَلَى المسْلِمِ أَنْ يَتَسَلَّحَ بِهَا فِي مُوَاجَهَةِ الفِتَنِ
يَجِبُ عَلَى المسْلِمِ أَنْ يَتَسَلَّحَ بالسِّلاح الصَّحيح في مُوَاجهةِ الفِتَنِ ، وهوَ يَقُومُ عَلَى ثَلاثَةِ أُسُسٍ:
الأَسَاسُ الأَوَّلُ: إِيمَانٌ صَحِيحٌ، وَعِبَادَةٌ صَحِيحَةٌ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُوصِي وَقْتَ الفِتَنِ بالعِبَادَةِ، لِمَ؟! لأَنَّ العِبَادَةَ الخَالصَةَ لله تَشْغَلُ الإنْسَانَ عَنْ أمُورِ الفتنِ؛ فَبَعْضُ النَّاسِ يَهْوَى أنْ يَلْغُ في الفتن هُنَا وهُنَاكَ، لَكِنْ إذَا جَاءَتِ العِبَادَةُ ضَعُفَ؛ فَلَا يَلْتَذُّ لِرَكْعَتَينِ لله رَبِّ العَالمين، لَكِنْ يَلْتَذُّ أَنْ يَجْلِسَ أُسْبُوعًا، وَأُسْبُوعَينِ يُتَابِعُ كَلَامًا مِنْ هُنَا، وَمِنْ هُنَاكَ، إِنَّ هَذَا خَلَلٌ فِي المَنْهَجِ، وَالتَّعَامُلِ مَعَ هذَا النَّوعِ من الفِتَنِ الوَاجب عَلَى الإنْسِانِ أَنْ يُقَوِّيَ إِيمَانَهُ وَصِلَتَهُ بالله عز وجل وَقْتَ الفتنِ، لِمَ؟!!
لأَنَّ هذَا يَحْمِي الإنْسَانَ، وَيُعَلِّقُهُ بالله عز وجل فَيَسْتَنِيرُ قَلْبُهُ بِنُورِ الإيمانِ، وَالعِبَادَةِ، وَالطَّاعَةِ هَذَا النُّورُ الرَّبَّانِيُّ يُعِينُ الإنْسَانَ عَلَى اسْتِبْصَارِ النُّورِ الحَقِيقِيِّ وَقْتَ الفِتَنِ؛ قَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم كَمَا فِي الحَدِيثِ: (( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ) ) (1) أَيْ: إلَى رَسُولِ الله قال: فِي حَالِ الهَرَجِ، وَالقَتْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ إِذَا تَفَرَّغَ الإنْسَانُ للعِبَادَةِ كَانَ عَمَلُهُ وَطَاعَتُهُ هُنَا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَعْمَلُهُ الإنْسَانُ فِي هَذَا الوَقْتِ .
الأسَاسُ الثَّانِي: عِلْمٌ صَحِيحٌ مُؤَصَّلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى دلَائِلِ الكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَأُحِبُّ أَنْ أُنَبِّهَ إلَى أَنَّ النَّبْعَ الصَّافِيَ للعِلْمِ الصَّحِيحِ يُحْتَاجُ إلَيه وَقْتَ الفِتَنِ أَشَدَّ من غَيره، أَرَى أَحيانًا بعْضَ النَّاسِ إذَا جَاءَ وَقْتُ الفتن يَقُولُ: أُرِيدُ كُتُبًا كتَبَهَا العلمَاءُ، وَقَالُوهَا ونحو ذلك، أُرِيدُ الكتبَ التي تُبَيِّنُ، نقُولُ: نَعَمْ أَنْتَ تسْتَفِيدُ منْ الكتبِ، لكنْ اعْلَمْ أَنَّ أَحْسَنَ، وَأَقْوَى مَا يُحْتَاجُ إليه هوَ العَوْدَةُ إلى النَّبْعِ الصَّافِي يعْني مَهْمَا كُتِبَ لَنْ يَكُونَ خَيرًا لمدَارَسَتِكَ لِكِتَابِ الله عز وجل تِلَاوَةً وَحِفْظًا، وَتَعَلُّمًا لَنْ يَكُونَ خَيرًا لكَ منْ كتابِ الله عز وجل وَمِثْلُهُ أَيضًا سُنَّةُ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ؛ لِذَاكَ نَحْنُ نَقُولُ:كُلَّمَا أَظْلَمَتِ الفِتْنَةُ كُلَّمَا احْتَجْتَ إلَى قُوَّةِ النُّورِ، يَعنِي أَحيَانًا الإنْسَانُ عنْدَمَا تَكُونُ الفتْنَةُ لَيسَتْ قويَّةً يحْتَاجُ إلى القليلِ من العلمِ، والحمد لله يسِيرُ في هذا الإنسانُ، لَكِنْ إِذَا أَظْلَمَتْ، وَاشْتَدَّتْ الظُّلْمَةُ أَنْتَ بِحَاجَةٍ إلَى نورِ قوِيٍّ، وَأَينَ هُوَ؟! منْ هذين النَّبْعَينِ:
الأولُ: منْ منْبَعِ الإيمانِ، وَالعبَادَةِ، وَالتَّعَلُّقِ بالله، وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ إِذَا اشْتَدَّتِ الفِتَنُ؛ الْتَجَؤا إلَى الله، وَأَلَحُّوا بالدُّعَاءِ: