فهرس الكتاب

الصفحة 8228 من 9994

لَمَّا هَجَمَ التَّتَارُ علَى المسْلمين، وَاكْتَسَحُوا بلادَ العراقِ، وَاتَّجَهُوا إلى بلاد الشامِ؛ نَشَأَتْ عنْدَ بعض المسْلمين هَذِهِ الفِكْرَة النَّاشِئَةِ الآن -نَفْسُ هذَا الكَلامُ- قَبْلَ 700 سَنَةٍ؛ قَالَ قَائلُهُمْ: لِمَ تَقُومُ للإسْلَامِ قَائِمَةٌ؟! هكذَا التَّتَارُ اكْتَسَحُوا، وَلَنْ تَقُومَ للإسْلَام قائِمَةٌ ، طَبْعًا فِي ذلك الزَّمَنِ أمَامَ هُجُومِ الكُفَّارِ فِيهِ مَنْ يُؤَيِّدُهُ، وفيه مَنْ يَرَى أنَّهَا نَظْرة صحيحةٌ ، لكنَّ العلماءَ البَصِيرِينَ، المسْتَبْصِرِينَ بنُورِ كتاب الله وسُنَّةِ رسُوله صلى الله عليه وسلم قَالُوا بكُلِّ وُضُوحٍ وَصَرَاحَةٍ: لَا كَيفَ يَكُونُ هَذَا, وفعْلًا وَاجَهُوهُمْ وَصَدُّوا التَّتَارَ، وَمَا هِيَ إلا فَتْرَة يَسِيرَةٌ وإذَا بالتَّتَار ينْغَمِسُونَ في المجتَمَعِ المسْلمِ فلا يبْقَى لمبَادِئِهِمْ شَيء , إِنَّهُ التَّعَامُلُ معَ الفِتَنِ عنْدَ غَلَبَةِ الكُفَّارِ بمنْهَجِ الإسْلَامِ .

وَلِهَذَا لَمَّا رَأَى أعْدَاءُ الله عز وجل هَذِهِ الحالَةَ المخَيِّمَةَ علَى المسلمين بَدَءُوا يَتَحَدُّونَهُمْ بمعْنَى: أَنْ يُهَانَ المصْحَفُ في"غوانتناموا"ثُمَّ في سجُونِ دَولة اليهود .

المصحف قدْ يُهَانُ لكنَّ طَرِيقَةَ إخْرَاجِ الإهَانَةِ هَذِهِ مَدْرُوسَةٌ؛ فَلَا هِيَ غَلْطَةُ جُنْدِيٍّ غَضِبَ ثم بعدَ ذلك تَسَرَّبَ الأمْرُ كَمَا يَظُنُّ البعْضُ، لَا! هذِه من بَابِ الإذْلَالِ للمسلمينَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لكُلِّ مُسْلِمٍ هَا نَحن نُهِينُكَ فِي أَقْدَسِ مُقَدَّسَاتِكَ: كتَاب الله الكريم كلام الله سبحانه وتعالى، ونُعْلِنُ ذلك أمامَ العَالمين، ولَا نُحَاكِمُ جنُودَنَا، وهَا نحن نَتَبَجَّحُ!!

وَصَلَ الأَمْرُ بالأمَّةِ إلى مثل هذه الحالَةِ، وَمَعَ ذلك كانت غَضْبَة لبعض المسلمين سَالَتْ دِمَاءٌ في سَبِيلِهِ فِي أَفْغَانِسْتَان منْ أَقْصَاهَا مَاتَ نَاسٌ فِي سَبِيلِ الله ، وَالدِّفَاعِ عن القُرْآنِ، وَالغيرةِ علَى تَدْنِيسِ هذا القرآنِ الكَرِيم؛ وَمِن هنَا نَزَلَتْ فِتْنَةٌ أعْظَم من هذه الفتنة: أَنْ يُدَاسَ القُرْآنُ الكريم، ثمَّ يَبْقَى كثيرٌ منَ المسلمين جَامِدًا، سَاكِتًا وَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ أيُّ شيءٍ والله إنَّهَا لَحَالَةٌ منَ الفِتَنِ لَا تَكَادُ تُتَصَوَّرُ!!

القَضِيَّةُ الثَّالِثَةُ: فِتَنُ آخِرِ الزَّمَانِ

وهيَ تَرْتَبِطُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ الصُغْرَى والكُبْرَى، وَالكَلَامُ حَولَهَا طُوِيلٌ، وَأُلِّفَتْ فِيهَا الكُتُبُ، وَخَاضَ فِيهَا الخَائِضُونَ، وَنَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَنَا عَنْ كَثِيرٍ منْ هذه الفتنِ التي ستَأْتِي في آخر الزمن، وَنَحْنُ نُؤْمِنُ بذلك ونُصَدِّقُ، ولكنْ مَا الذي حدَثَ هو أنَّ فتنَ آخر الزَّمَانِ تَلَاعَبَ بها الكُّفَّار من أهلِ الكتَابِ، وَغَيرهم منْ اليهودِ، وَالنَّصَارى وَصَارُوا بِمَا عنْدهم في كُتُبِهِمْ، وَإِسْرَائِيلِيَّاتِهِمْ، وَغَيرها يُرَتِّبُونَ الأمورَ والأحْدَاثَ منْ خِلَالِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَالعَجِيبُ أَنَّهُ وَاكَبَهُمْ سَاسَتُهُمْ، وَتَجِدُ الكلامَ المتَعَلِّقَ الآن بِفِلسْطين، وَبالنِّسْبَةِ لنزولِ عيسَى بْنِ مَرْيمَ، وَلَا يَزَالُ الآن في تلاحُمٍ يَهودِيٍّ نَصْرَانِيٍّ حولَ هذه القَضَايَا وَيَنْمُو هَذَا الاتِّجَاهُ في بلادِ الغَرْبِ، وفي أمريكَا، وغَيرها، مَنْ ثَمَّ تَجِدُ الأمْرَ تَتَرَتَّبُ عَلَيه أشياءٌ، وَأَحْدَاثٌ تَتَعَلَّقُ بِحَالِنَا نَحْنُ المسْلمين، وَالشيء الذي يَأْسَفُ لَهُ هوَ أنَّ بعضَ المسْلمينَ وَاكَبَ مثل هذه الحوَادِثِ فَخَاضَ كَمَا يَخُوضُونَ؛ فاليَهودُ، وَالنَّصَارَى مَصَادِرُهُمْ: كُتُبُهُمُ المحرَّفَةُ، تَنَبُّآتِهِمْ، شُرُوحَاتُ الحَاخَامَاتِ، أَقْوَالُ المنَجِّمِينَ،..،..، إلى آخره، وَكُلُّهَا مَصَادر ليسَ لها أَسَاسٌ من الصِّحَّة مِنْ أَوَّلِهَا إلى آخِرِهَا ..

إِذَنْ! كَيفَ نَتَعامَلُ معَ هذه الأشياءِ؟! هُنَاكَ طَرِيقَتَانِ وَاضِحَتَان:

الأُولَى: طَرِيقَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ، عِلْمِيَّةٌ، قَائِمٌَة عَلَى دَلَائِلِ الكِتَابِ والسَّنَّةِ.

الثَّانِيَةُ: السَّيرُ مَعَ هَؤلَاءِ بِأَسَالِيبِهِمْ، وَتَطْعِيمِهَا بِأَشْيَاءَ وَارِدَةٍ فِي السُّنَّةِ النبويَّةِ.

إِنَّ التَّعَاملَ معَ الفتنِ في آخر الزَّمَان دخل فيها أُنَاسٌ كثيرون َعَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الكتاب؛ فَنَشَأَ فِي المسلمين منْ يَتَكَلَّمُ عَنْ أحدَاث آخر الزمان، وَنَحوها وصَارَ يَخْلِط؛ُ فَجَمَعَ بينَ أحاديث صحيحة قَلِيلَة وَأَحاديث ضعيفَة كثيرةٍ، وَأَحَاديثَ موضُوعَةٍ، وَإسْرَائليَّات، وَأَخْبَارِ، وَأَقْوَالِ أهلِ الكِتَابِ، وأقْوَالِ المنَجَّمِينَ، فجَمَعَ بَينَ هَذِهِ الأشْيَاء وَأَضَافَ إلَيهَا الرُّؤَى ثُمَّ خَلَطَهَا، وَوَضَعَهَا، وَصَارَ يتَعَامَلُ معَهَا، وَهَذَا خَطَاٌ كَبَيرٌ: أَنْ تُجَارِي أعْدَاءَ الله، وَأَنْ تَحْتَجَّ بكلِّ مَا هو شَاذٍّ، وَمَوضُوعٍ، وَضَعِيفٍ؛ وَلِذَلكَ تَرَتَّبَ علَى هذا أَحَدُ أمْرَينِ:

1-يَأْسٌ في الأمَّةِ يُصِيبُ الناسَ في التَّعَاملِ مع هذا الوَاقِعِ الذي تَعِيشُهُ الأمَّةُ ، أوْ في مُقَابِلِ ذَلِكَ، أَنْ يُصِيبَ بعض النَّاسِ منَ المسْلِمِينَ إحْبَاطٌ، وَانْتِظَارٌ لهذه النَّتَائِجِ، أو لهذه الأَحْدَاث، وَالأَشْرَاط، فَوُجِدَ منَ المسْلِمِينَ مَنْ اتَّكَئَ علَى أَرِيكَتِهِ يَنْتَظِرُ الأحْدَاثَ، وَوَضَعَ لَهَا أحْدَاثَ ، وَقَالَ هذَا سَيَكُونُ كَذَا، وَنَهْرُ الفُرَاتِ كَذَا، وَنَهْرُ الأُرْدُنِ كذا....إلي آخره ثُمَّ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ يُرَتِّبُ هَذِهِ الأشْيَاءَ عَلَى أَرِيكَتِهِ، وَيَنْتَظِرُ مَتَى يَحْدُثُ الحَدَثُ الفلَانيُّ، وَيُقَابِلُهُ الجيشُ الفُلَانِيُّ ، وَتَكُونُ الرَّايَاتُ الفُلَانِيَّةُ، وَلَمْ يَرَ مِنْ ذَلِكَ شَيئًا، وَلَنْ يَرَى مِنْ ذلك شيئًا .

الأُمُورُ التي نَتَعَامَلُ بِهَا مَعَ الفِتَنِ

فَالوَاجِبُ تِجَاهَ هذِهِ الفِتَنِ أنْ نَتَعَامَلَ معَهَا مِنْ خِلَالِ الأمُورِ التَّالِيَةِ:

الأَمْرُ الأَوَّلُ: أَلَّا يَخْلِطَ بينَ الشَّرْعِ وَالقَدَرِ فِي فِتَنِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ، هُنَاكَ قَدَرٌ أَخْبَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله لعيه وسلم أَنَّهُ سَيَكُونُ كَذَا، وَكَذَا، هَذَا قَدَرٌ سَيَكُونُ، وَإِذَا أَخْبَرَنَا الرَّسُولُ عَنْ شَيءٍ اَنَّهُ سَيَكُونُ ، فَلَابُدَّ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَا دَامَ أَنَّهُ أُخْبِرَ عَنْ الله وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَادِق الْمَصْدُوق , فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ القَدَرُ الذي سَيَجْرِي فَكَيفَ نَتَعَامَلُ مَعَهُ ؟!

الذِي يَقَعُ أَحْيَانًا هوَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يتَعَلَّقُ بالقَدَرِ، وَيَنْسَى الشَّرْعَ ، وَآخَرُونَ يَتَعَلَّقُونَ بالشَّرْعِ، وَيَنْسَونَ القَدَرَ ، والوَاجِبَ عَلَى المسْلِمِ أَنْ يُصَدِّقَ بالقدر، وَبِهَذِهِ الأَخْبَارِ الصَّحيحَةِ التي ثَبَتَتْ عَنْ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهَا تَقَعُ في آخِرِ الزَّمَانِ فَيُؤْمِنُ بِهَا، وَيُصَدِّقُ. لكنْ! هَلْ يَكْفِي هَذَا قَالَ لَا بَلْ يَجِبُ عَلَيه بِالمقَابِلِ أَنْ يَتَّبِعَ الشَّرْعَ, وَكَيفَ؟!!

يَأْخُذُ بِالأسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَا هِيَ؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت