فهرس الكتاب

الصفحة 9684 من 9994

والمتأمل في ماضي الأمة وحاضرها يدرك أن بليةَ الإسلام في أهله باليهود عظيمة شديدة فكم من معقل للإسلام قد سعوا في هدمه، وكم من حصن راموا هتكه، وكم من عَلَم عملوا على طمسه ضربوا بمعاول الشبهات في أصله وروجوا الإباحية والفساد ليصدوا الناس عن عبادة رب العباد تحالفوا مع شياطين الإنس والجن ضده عملوا على إحداث الفُرقة في أمته وإثارة الفتن بين أهل ملته، وعكفوا على ترويج وإشاعة وإنشاء الأقوالِ المبتدعة والآراء الضالة والمذاهب المنحرفة فهل السبئية إلا من بنات أفكارهم، وهل الباطنية إلا ثمرة جهودهم وهل الماسونية والعلمانية إلا نتاجُ مؤامراتهم ومخططاتهم فعداوة القوم للإسلام وأهله لم ترضَ محلاًّ لها إلا سويداء قلوبهم. وعداوة يهود للأمة ليست رهينة فترة زمنية ثم تنتهي، بل عداوتهم للإسلام وأهله دائمة إلى آخر الزمان ممتدةٌ عبر الليالي والأيام متوارثة جيلاً بعد جيل أوصى بها الأكابر والأصاغر وحمّلها سلفهم خلفَهم، لذا فإن اليهود حلفاءُ كلِ من عادى الأمة، فبالأمس حالفوا مشركي العرب ضد النبي r واليوم حالفوا النصارى وغيرهم ضد أهل الإسلام وغداً يحالفون الدجال ويتبعونه ضد أمة الإسلام ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (( يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة ) ) (11) وقد قال r في حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه: (( أكثر تبعة الدجال اليهود والنساء ) ) (12) .

إلا أن هذا الكيد والمكر الكبار إلى زوال واضمحلال إذا صبرت الأمة واتقت ربها وتمسكت بدينه قال الله تعالى: ?إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ? (13) . ولا نشك أن الله سبحانه وتعالى سينصر دينه ويعلي كلمته ويؤيد أولياءه طال الزمن أو قصر فإن العاقبة لله ولرسوله وللمؤمنين ويصدق هذا ما وعد به رسول الله r أمته ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (( لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الشجر والحجر: يامسلم ياعبدالله هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله ) ) (14) وهذا الحديث يفيد أن الصراع بين أمة الإسلام وبين يهود لن يضع أوزاره حتى يُقتلوا عن آخرهم كما أخبر النبي r فما دام في اليهود عرق ينبض وعين تلحظ وقلب يخفق فلن تزول هذه العداوة فإن معركتنا معهم معركة إبادة. فكل من حاول إزالة هذه العداوة أو رفعها فإنما يركض وراء السراب ويحرث في الماء ويضادُ ما قضاه الله سبحانه كوناً وقدراً وشرعاً والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

(1) فاطر: 43.

(2) الفرقان: 31.

(3) الأنعام: 112.

(4) المائدة: 82.

(5) الصف: 8.

(6) البقرة: 144.

(7) أخرجه البخاري في كتاب المغازي معلقاً.

(8) البقرة: 87.

(9) الأنفال: 64.

(10) الأنفال: 36.

(11) أخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة برقم 2944.

(12) أخرجه أحمد من حديث عثمان بن أبي العاص برقم 17433.

(13) آل عمران: 120.

(14) أخرجه البخاري في الجهاد والسير برقم 2926 وأخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة برقم 2922 واللفظ لمسلم.

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون واعلموا أيها المؤمنون أنه لن تستقيم لكم عبادة صحيحة ولا تقوى نافعة إلا بالعلم الشرعي، علم قال الله، قال رسوله، قال الصحابة هو أولى العرفان.

فعلم الكتاب والسنة أفضل ما اكتسبته النفوس وعمرت به القلوب وشغلت به الأوقات فبه يرفع الله أقواماً ويضع آخرين قال الله تعالى: ?يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ? (1) فعلم الكتاب والسنة حياة القلوب ونور البصائر وشفاء الصدور، هو الميزان الذي توزن به الرجال والأقوال والأعمال. به يتمكن العبد من تحقيق العبودية لله الواحد الديان فهو الكاشف عن الشبهات والمهذب للشهوات. مذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وطلبه قربة وبذله صدقة ودراسته تعدل الصيام والقيام.

فالحاجة إليه فوق كل حاجة فلا غنى للعبد عنه طرفة عين قال الإمام أحمد رحمه الله: (( الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب، فالرجل يحتاج إلى الطعام والشراب مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه ) ). وبالعلم الشرعي أيها المؤمنون تعرفون ربكم، أسماءه، وصفاته، وأفعاله وبه تعرفون أمره ونهيه وحدوده وشرعه وبهذا كله تتحقق لكم خشية الله سبحانه وتعالى قال جل ذكره: ?إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ? (2) قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به لأنه كلما كانت المعرفة له أتم والعلم به أكمل كانت الخشية أعظم وأكثر.

عباد الله وبالعلم تخرجون من الظلمات وتحصلون أكمل السعادات وأتم اللذات قال الله تعالى: ?أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا? (3) وقال تعالى: ?أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ? (4) .

فيا بشرى ويا طوبى ويا سعادة لمن اشتغل بالعلم الشرعي تحصيلاً وطلباً، وعلماً وعملاً، وتبليغاً وتعليماً قال الله سبحانه وتعالى: ?يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الألْبَابِ? (5) . وفي الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما مرفوعاً: (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) ) (6) وفي جامع الترمذي بسند لا بأس به: (( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه وعالماً أو متعلماً ) ) (7) .

ومن فضائل الاشتغال بعلم الكتاب والسنة يا عباد الله ما رواه أصحاب السنن عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله r يقول: (( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) ) (8) .

أيها المؤمنون إن أمتنا اليوم هي أشد ما تكون حاجة إلى العلم الصحيح المبني على الكتاب والسنة وهي أشد ما تكون حاجة إلى العلماء الراسخين الذين هم أركان الشريعة وأمناء الله من خلقه والواسطة بين الأمة ونبيها r، العلماء المجتهدين في حفظ ملته الذين هم بالشرع متمسكون ولآثار السلف مقتفون لا يصغون إلى الأهواء ولا يلتفتون إلى الآراء يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت