الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
"ومضات إصلاحية من الآيات القرآنية"نجعلها حديث يومنا هذا ، وقد كثر الحديث عن الإصلاح وتنوعت صوره ، فمن إصلاحٍ تأتي به دبابة عسكرية ، إلى إصلاحٍ تبثّه قنوات فضائية ، إلى إصلاحٍ آخر يتجلى في مبادراتٍ سياسية ، إلى ثالثٍ ورابعٍ وخامس ..
وقلَّما سمعنا في الإصلاح الذي يأتي من الخارج ، أو الذي يروج في الداخل ، أو الذي يتناقل حسب وسائل الإعلام هنا أو هناك .. قلّما رأينا تأصيله من كتاب الله واسترشاده التام بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إن الثوب إذا كان من قماشٍ حسن ، وبخياطةٍ متقنة لكنه على غير مقاسك لا ينفعك ولا تستطيع الانتفاع به ، وكذلكم كل ما يأتي على غير الأساس الذي تقوم عليه وننطلق منه ونحتكم إليه وهو أساس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلن يكون محققا لمراداتنا وطموحاتنا من هذا الإصلاح .
وذلك يقين لا بد أن يستقر في النفوس ، والقلوب مع علمٍ وفكرٍ وبصيرةٍ تدرك أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيهما من القواعد الكلية والمقاصد الشرعية ما يستوعب مستجدات كل زمانٍ ، وما يصلح أحوال كل مكان ، وما ينفع الإنسان في تقلبات أحواله وتغيرات أزمانه .. فليس هناك قصور - كما يتوهم للبعض - ولا تخلف - كما يفتري البعض - بل كمال مطلق ، وصلاح دائم ، وتجدد مستمر ، ومرونة عظيمة مع أصالةٍ وثباتٍ يعصم به المؤمنون والمسلمون من أن تضل بهم الأهواء ، أو أن تتقاسمهم الآراء ، أو أن تستبدّ بهم الحيرة ، أو أن يغشاهم الاضطراب: { قل إني على بينةٍ من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين } .
وليس مقامنا هذا كافيا أن نتحدث عن منهج الإصلاح في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن ذلك يستوعب الحياة كلها في مجالاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدولية وغير ذلك .
وحسبنا في هذا المقام الذي نفتتح به حديث الإصلاح في القرآن والسنة أن يكون اليوم في ومضات قرآنيةٍ ، وربما جلّها نأخذه من قصةٍ واحدةٍ من قصص الإصلاح وحواراته من رسل الله عليهم صلواتهم وسلامه عز وجل .
قصة شعيب مع قومه
فيها ومضات منهجية نؤسس بها لقضية الإصلاح من خلال هذه الآيات ، ومن خلال غيرها من بعد بإذنه سبحانه وتعالى: { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يومٍ محيط } .
نبي من أنبياء الله ، والأنبياء هم صفوة المصلحين ، وخلاصة الذين رسموا المنهج القويم للإصلاح على هديٍ من ربهم ، وبنورٍ من وحيه ، وبرقيٍ وسموٍ بما كانوا عليه من صلاح السرائر وجمال الأخلاق ، ورشد العقول ، وحسن التدبير ، وكمال السياسة التي كان عليها رسل الله وأنبياءه .
هذه دعوة شعيبٍ يبدأها بأول وأهم وأعظم أساسٍ لا يكون إصلاحٍ إلا به .. أساس الإصلاح الإعتقادي الإيماني الذي يعلق القلوب بتوحيد الله وتعظيمه ، فلا شرك ولا إشراك ، ولا توزع لهموم الإنسان وطموحاته أو خوفه ورجاءه إلى آلهةٍ متعددةٍ لم يسمها آلهة أول دعوةٍ بدأ بها وبدأ بها كل الرسل والأنبياء { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره } .
هذه الدعوة الإصلاحية الأولى كم أمة الإسلام محتاجة ؟ إليها كم نحن في حاجةٍ إلى إصلاح مسائل الإصلاح ، مسائل الاعتقاد والإيمان من جهةٍ ووجوهٍ شتى من وجوه الصحة والعلم والمعرفة المبنية على دليلها الثابت من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعيد عن انحراف الآراء وانجراف الأهواء؟
كم نحن في حاجةٍ من جهةٍ أخرى إلى دحض الشبهات ، وإلى بيان فساد المبتدعات ، وإلى التذكير والتحذير من خطورة الشركيات .
ليس في ذلك شيء إلا ونحن في أمس الحاجة إليه ، وليس من ذلك شيء إلا وهو من أعظم وأسس سبب الانحراف والضعف والزيغ الذي حلّ بأمتنا أو بكثيرٍ من أبناءها وفي كثيرٍ من أصقاعها ، ثم نحن كذلك في حاجةٍ إلى مراجعة قضية الإيمان والاعتقاد بعد المعرفة الصحيحة إلى الأثر الحقيقي في واقع الحياة .
هل قضايا الإيمان تشربتها القلوب ؟ هل حقائق الإيمان رسخت في النفوس ؟ هل أصبحت تجري مع الدماء في العروق ؟ هل تضبط الخواطر والأفكار ؟ هل تهذب الأقوال والكلمات ؟ هل تقوم السلوك والأعمال ؟ هل تحكم بين الناس فيما يجري بينهم من الأمور ؟ هل تضبط أمور معاملاتهم المالية ؟ هل هي حقيقة حية واقعة تتجلى في سجود جباههم ودموع أعينهم ووجل قلوبهم وورع نفوسهم ؟ هل حقيقة الإيمان موجودة ؟