فهرس الكتاب

الصفحة 7556 من 9994

لو أنها كانت على النحو المطلوب ، وعلى الوجه الكامل ، وعلى الصورة المؤثرة ؛ لرأينا كثير من وجوه الفساد والقطيعة والخلاف تنتهي في أحوال أمتنا ، وتزول من واقع حياتنا ، ولكنه الإيمان إذا انحرف فضل أربابه إلى صورٍ من شركٍ أو انحرافٍ وابتداع .. ولكنه الإيمان إذا ضعف فاستولت الدنيا بشهواتها على القلوب وسيرت النفوس وحكمت في العلائق والأحوال المختلفة .. فحينئذٍ لا يرجى أن يكون أثر لأي إصلاح ، ما دام الفساد في القلوب مستقر ، وما دام الكدر والقدر موجود في النفوس لن تطهره قضايا الإيمان وحقائقه كما ينبغي .

إن طهارة القلوب ، وزكاة النفوس ، ورشد العقول ، وحسن الأقوال ، وصحة الأعمال ، وصلاح الأحوال لا يمكن أن تنطلق إلا من أساسٍ صحيح في اعتقادٍ صحيحٍ راسخٍ مؤثر .. ذلكم هو أساس الإصلاح والتغيير الذي جاء به سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم يوم بذر بذرة الإيمان في قلوب قومٍ من أهل الشرك والكفر والجاهلية والعصبية ، أهل فسقٍ وفجور ، أهل انحرافٍ وأهواء ، فإذا بهذا الإيمان يغير حياتهم ، ويؤسسها على قاعدةٍ جديدة متينةٍ ركيزةٍ من شهادة التوحيد ، ومن معرفة حقائق الإيمان وتأثيره في النفوس .

وتلك هي القضية التي جاء بها الرسل والأنبياء .. جاء بها شعيب وقدمها ؛ لتكون أساسا يبني عليه الإصلاح الاقتصادي الذي كان شائعاً في قومه الإفساد فيه .

وجاء بها موسى - عليه السلام - ليصلح بها الفساد والطغيان السياسي الذي كان عليه فرعون .

وجاء بها لوط - عليه السلام - ليصلح بها الإفساد الأخلاقي الذي كان في شذوذ قومه وانحرافهم إلى فسق فيما يأتون من الذكران من العالمين .

فكل قضيةٍ إصلاحيةٍ إنما يؤسس لها بتأسيس صلاح الإيمان ، وصحة الاعتقاد ، وحسن التعلق بالله وكمال الرجاء فيه وعظمة الخوف منه وصدق التوكل عليه ودوام الإنابة إليه تلك التي هي تحسن بها أحوال الناس في معاشهم ويكون لهم بها بعد مماتهم أثر وسبب لنيل رحمة الله عز وجل ورضوانه .

قال شعيب عليه السلام: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان } لأجل دنيا تريدون تحصيل المزيد من الأرباح فيها بتنكب الحق وارتكاب الغش .

وقال: { إني أراكم بخير } ما معنى ذلك ؟ أراكم بخيرٍ في معيشتكم ورزقكم ، أي فيما تأخذون من الحلال وإن كان قليلا فأخاف أن تسلبوا ما أنتم عليه بانتهاككم محارم الله .

قال ابن كثيرٍ في تفسيره:"إذ الإصلاح يعتمد كذلك على الطاعة لله عز وجل ، والموافقة لشرعه ، والمجانبة لمحاداته ومشاقته ، ومخالفة أمره ؛ فإن دواعي الفساد والإفساد إنما مبعثها مخالفة حكم الله عز وجل وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما كان من التزامٍ بأمر الله وأمر رسوله فذلك فيه الصلاح والخير ولذلك قال: { إني أراكم بخير } أي إن استقمتم على أمر الله".

ثم حذر فقال: { إني أخاف عليكم عذاب يومٍ محيط } تفسد أحوالكم في دنياكم ، وتحلّ بكم نقمة الله عز وجل ، وينزل بكم سخطه ، وتنزع منكم بركته في الدنيا ، ثم تكون العاقبة السيئة والعياذ بالله في الآخرة .

فالأساس الإصلاحي الثاني الذي تصلح به أحوال العباد بعد حسن الاعتقاد هو: حسن الامتثال

قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}

وهذه دعوات قرآنية كثيرة ، ودعوات نبوية عديدة ، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( كلكم يدخل الجنة إلا من أبى ! قالوا: ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى )

وهذا أساس ينبغي أن نعلم سوء أثره في واقعنا .

لماذا افترقت النفوس ؟لماذا اختلفت الآراء لماذا تفرّقت الصفوف ؟ لماذا قست القلوب ؟ لماذا جحدت العيون وقحطت ؟ لماذا تغيرت أحوالنا ؟ إنه ضعف إيماننا بسبب كثرة معاصينا ، والمعصية آثارها عظيمة ، وأضرارها وخيمة ووبيلة ، والمؤمن الحق يدرك تماماً أن قضية أثر المعصية أمره عظيم ، ولقد كان أسلافنا - رضوان الله عليهم - يرون أثر المعصية في الأمر اليسير الهين الذي لا نلقي له بال .

قد كانوا يرون أثر المعصية إذا ساء خلق زوجة أحدهم أو دابته ؛ ردّ ذلك إلى قصورٍ في طاعته أو إلى غفلةٍ في ارتكاب شيءٍ من المعاصي ،كانوا يرون أن كل عارضٍ يعرض لهم فيه ضرب من الابتلاء ، أو ضرب من العناء إنما هو بسبب شيءٍ من غفلتهم عن أمر الله أو اجتراءهم على معصية الله .

واليوم وقد كثرت الذنوب والمعاصي ، وتعاظمت حتى صارت كأمثال الجبال ، بل ملئت ما بين السماء والأرض ، ثم بعد ذلك نسأل: ما السبب في تغير أحوالنا ؟ ولماذا لا نستطيع أن نحقق مرادنا ، ولا أن نصل إلى مبتغانا ، ولا أن نصلح أحوالنا ، ولا أن نداوي أمراضنا ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت