إن ذلك لا يكون ولن يكون إلا بصلح مع الله عز وجل ، وإصلاح ما بيننا وبينه وبالتعظيم والوفاء لرسولنا صلى الله عليه وسلم .. استمساك بهده واتباع لسنته وذبّ عنه عليه الصلاة والسلام .
ولذلك حذّر شعيب هنا من هذه المعصية ، فماذا كان جواب القوم وإن كان لا يعنينا كذلك في هذا المقام إنما نريد أن ننظر إلى لسان المصلح ، ماذا كان يقول إلى نظريته التي يقدمها ؟ إلى توجيهاته التي يذكرها ؟
لكنهم في سياق ردهم عليه جاءوا بالتهكم والسخرية ، وأتوا بما يستوجبون به سخط الله عز وجل وحلول الفساد في أرضهم وديارهم ، وقبل ذلك في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم .. { قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ } .
لم يقولوا ذلك ذكر لصفاتٍ حسنةٍ فيه ، ولكنهم يقولون عكسه ، أي إن مقتضى ما تقوله لنا يدلنا على أنك لست بحليمٍ ولا رشيد .. يقولون ذلك على سبيل التهكم ، ويذكرون هنا قضية مهمة في شأن الإصلاح يذكرها وللأسف بعض بني جلدتنا الناطقين بألسنتنا عندما قالوا: { أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء } .
لماذا تدخلون أمر الاعتقاد أمر الدين في صلب الحياة ما لدين والاقتصاد ؟ ما لدين والسياسة ؟ ما لدين والحياة الاجتماعية ، ما لدين وللحياة العلمية والتقنية ؟ أرادوا أن يقولوا له: بماذا جئتنا يا شعيب ؟ نحن ننكر ونستنكر ، ولا نقبل ولا نفهم أن تكون صلاتك التي تقوم بها ! أو ديانتك التي جئت بها .. تريد أن تغير أحوال حياتنا كلها .. تريد أن تضبط وتحكم تفاعلات جوارحنا ومعاملاتنا في سائر جوانب حياتنا .
وذلكم ما لعله اليوم يقال في ديار الإسلام وبألسنة بعضٍ من أبناء الإسلام لماذا لا نأخذ النظريات الاقتصادية من الشرق لماذا لا نأخذ النظم السياسية من الغرب لماذا لا نستفيد في جوانب الحياة الاجتماعية من هنا أو هناك كأننا فقراء لا منهج عندنا كأننا أمة مبتوتة لا تاريخ لها كأنه ليس بين أيدينا النور التام الذي تبحث عنه البشرية في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم !
لقد أصبحنا اليوم نسمع عن الديمقراطية والحرية واقتصاديات السوق وغيرها من المصطلحات ، ما لم نعد نسمع له ذكر لآيةٍ من كتاب الله أو حديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو صفحة مشرقة من صفحاتٍ كثيرةٍ مليء بها تاريخنا الذي رسم الحياة الإنسانية على القاعدة الإيمانية وفي ضلال الشريعة الإسلامية ، فأتى بالتقدم والرخاء الاقتصادي وأتى بالعدالة السياسية والقضائية ، وأتى حينئذٍ بأحسن الظروف والأحوال الاجتماعية ، وأقام فوق ذلك حضارة مدنية وتقدماً علمياً ما تزال أمم اليوم تعود نهضتها إليه ، ويرجع مبتدأها إليه ، فأين أمة الإسلام عن حقيقة الإصلاح في جوهر المنهج القرآني والرباني ؟
ثم استمعوا معي إلى ما قاله شعيب - عليه السلام - في هذه الكلمات التي يؤسس القواعد مع ما سبق أن ذكرناه من قاعدة الإيمان ، وحسن الاعتقاد وصحته وقاعدة الاستقامة وكمال الالتزام بشريعة الله عز وجل
قال عليه السلام - عندما ردوا عليه بهذا الرد قال: { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } .
في هذه الآيات منهج لكل مصلح منهج شامل .. ما الذي ينبغي أن يكون عليه في تكوين ذاته ونفسه ؟ ما الذي يجب عليه في حسن عرضه ودعوته ؟ ما الذي ينتهي ويرتكز عليه في قدرته ومواصلته ؟
استمعوا إلى هذه الآيات .. استمعوا إليها بالقلوب والعقول استماع فيه التدبر والتأمل وهو يقول: { أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي } .
أول أمرٍ - أيها المؤمنون المسلمون - لا بد أن نكون على بينةٍ من أمرنا ، وعلى بينةٍ من ديننا ، وعلى بينةٍ من نهجنا .. لا بد أن نعرف حقائق إيماننا وشرائع إسلامنا ، أن نعرف ما يثار من الشبهات ، أن نكون على بصيرة لا بد أن نعرف المنهج الإسلامي معرفة صحيحة من أصوله الصافية ومنابعه العذبة ؛ لأن هذا هو الذي يجعل لنا النور الذي نكشف به صور الانحراف والخلل وهذا هو الذي يثبت المصلح .
أما المصلح إذا لم يكن على بينةٍ من ربه وعلى معرفةٍ من نهجه ، فربما اضطرب أو تشكك ! وربما تراجع وتقهقر ! وربما وافق وداهن أو جامل فيما لا ينبغي أن يكون خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه المفاسد والأطروحات والضغوطات المختلفة ، حتى صار الناس يدعون أمور ليست من الإسلام وينسبونها إليه ؛ لأنهم ليسوا على بينةٍ من ربهم .