فهرس الكتاب

الصفحة 8121 من 9994

أيها الناس: إِن امتحان الدراسة مهما بالغ الآباء في تخويف أبنائهم منه وذلك خطأ ومهما بالغ المدرسون والمسؤولون في ضبطه والشديد فيه فإنه لن يبلغ شيئاً من امتحان الآخرة حيث يكشف المستور ، وَيُحَصَلُ ما في الصدور حين يقف الناس على أقدامهم لرب العالمين حفاةً غير منتعلين ، عراةً غير لابسين غرلاً غير مختونين وتدنو منهم الشمس ويبلغ منهم العرق كل مبلغ قال صلى الله عليه وسلم: (( يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم حتى مبلغ آذانُهم ) ) [1]

فويلٌ للظالمين من هذا اليوم ماذا سيقول أهل الإشراك والبغي والعدوان ؟ وبماذا يعتذر أكلة الربا والزناة وأصحاب الفواحش والموبقات وبأي لسان يتكلم من أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات .

(( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) ) (الكهف: 49) .

إنه لئن كان الواحد منا يخشى أن تقلَّ درجات أبنه أو ينخفض معدّله في دنيا فانية فأولى به أن يخشى على نفسه وعلى أبنه من يومٍ عظيم تخِفُّ فيه موازين أقوام: (( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ ) ) (المؤمنون: 101) .

وفي ذلك اليوم تنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال فآخذٌ كتابه بيمينه وآخذٌ كتاب بشماله أو من وراء ظهره

قل لي بربك ماذا يستفيد أبنك إذا ضَيّع أمر الله وفرائضه في الدنيا ثم نجح في امتحانها وأخفق في الآخرة فأعطى كتابه بشماله ما هي حالة وهو ينادى بأعلى صوته: (( َيا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ ) )الحاقة ( 30,25) .

ماذا تنفعه دراسته ؟ ماذا اغنت عنه شهاداته ؟ وهو هالكٌ وخاسرٌ خسراناً أبديّا ًحتى وإن استنجد بغيره فما إلى ذلك من سبيل: (( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ) ) (عبس: 34) .

(( الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) ) (الزخرف: 67) .

[1] رواه مسلم .

الحمد لله (( الذي الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ ) ) (الملك:4،2 ) .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا حول ولا قوة إلا به،

ولا خير يرجي في يديه، هو ملاذ العباد إن ضاقت بهم الحيل، وهو ملجؤهم إذا انقطع الأمل، يقلب الليل والنهار، ويقدر الأمور على ما يشاء ويختار، سبحانه من إلهٍ عظيم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، وخليله وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصبحه والتابعين لهم بإحسان أما بعد

اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وعلقوا قلبوكم بربكم - جلا وعلا - فهو مولاكم، فنعم المولى ونعم النصير، الله خلقكم من العدم، وأسبغ عليكم النعم، وكتب آجالكم، وساق أرزاقكم، وعرفكم طريق النجاة، فاعبدوه واشكروا له إليه ترجعون.

أيها المسلمون:

يعيش الناس في هذه الدنيا- وحالُ الكثير منهم - في غفلة عما حولهم من العبر والكوارث، والأحداث والآيات، زلازل وبراكين، وحروب ومجاعات، وغرق وفيضانات، وأمراض وعظات،

يقدرها - العلي القدير - ليستفيد منها أقوام، ويتغط بها آخرون .

ولتقوم الحجة على المعرضين: (( أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) ) (التوبة:126)

أيها المسلمون:

إن من أسماء الله الحسنى"القوي" (( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) ) (هود:66) .

(( مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) (الحج:74)

وله صفة القوة فلا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، ولا لقضائه راد ، ومن أسمائه: ( العزيز ) (( فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ) ) (فاطر10 ) .

عزة القوة وعزة الغلبة وعزة الامتناع، خشعت له الأصوات، وخضع له من في الأرض والسماوات، وقهر جميع الموجودات، (( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) ) (الأنعام:18) .

(( وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) ) (الأنعام:95) . (( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) ) (طه:110) .

لا يخفي عليه الجبل ولا في وعره ولا البحر ولا في قعره، (( وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ) ) (إبراهيم:38) .

(( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى* لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى* وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى* اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى ) ) (طه:8،5) .

أيها المسلمون: لو أخذن آيةً من خلق الله ووقفنا على شيء فيها من عجائب قدرته وعظيم حكمته، فلعل منا من يدّ كر ولربما أن يوجد من يعتبر تلكم هي السفن التي تجري في البحر بأمر الله ، وتشق العُقاب، وتناطح الأمواج، وتنقل العباد والمتاع على ظهر الماء يجريها، ( القوي القادر ) سبحانه وبحمده، يقول تعالى: (( وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ* إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ) )

(الشورى:34،32) .

أي ومن علاماته الدالة على قدرته السفن الجارية في البحر كأنها من عظمها جبال، أو كأنها قصو، وكانت في السابق وما زال بعضها الآن تشق البحر، وتمخره بلا قائد يقودها، ولا سائق يسوقها، وإنما قائدها وسائقها - بإذن الله - هي الريح التي يسخرها الله لإجرائها، ويقول تعالى (( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ) (البقرة:164)

قال القرطبي- رحمه الله- 2/194 ووجه الآية في الفلك: تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء مع ثقلها، وأول من عملها نوح - عليه الصلاة والسلام - كما أخبر الله تعالى ...)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت