د. عبد العظيم بدوي
الحلقة الأخيرة
يقول اللَّه تعالى:
كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)
[المدثر/32-56] تفسير الآيات
يقسم الربّ سبحانه على أنّ النار من الأمور العظام التي لا يجوز أن يُستهان بها، فيقول سبحانه: كلا والقمر (32) والليل إذ أدبر أي ولى، والصبح إذا أسفر أي أشرف إنها لإحدى الكبر أي النار إحدى الأمور العظام، نذيرا للبشر (36) لمن شاء منكم أن يتقدم نحو طاعة غير اللَّه هربًا من هذه النار، أو يتأخر عن الطاعة إلى المعصية، فتخطفه كلاليب جهنم.
ويخبر اللَّه تعالى أن كل نفس بما كسبت رهينة أي محبوسة مقيدة، كما قال تعالى: كل امرئ
بما كسب رهين [الطور: 21] ، ثم استثنى فقال: إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون، فإنهم أحرار طلقاء، لم يكتسبوا ما يحبسهم، فتغمدهم اللَّه برحمته، وأَذِنَ لهم في دخول الجنة، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون [الصافات:50] ، عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر؟ ما هي أسباب دخولكم النار ؟ قالوا لم نك من المصلين أي: أجاب المجرمون من أهل النار مبينين أسباب دخولهم النار بقولهم: لم نك من المصلين، أي لم نتبع هذا الدين ولم نُصَلِّ كما يصلي المسلمون، وفي هذا بيان لأهمية الصلاة كركن أعظم في هذا الدين.
ولم نك نطعم المسكين أي: ما عبدنا ربنا، ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا، وقد تقدّم أن الإحسان هو سبب دخول الجنة، وهؤلاء لم يحسنوا فيما بينهم وبين اللَّه، ولم يحسنُوا فيما بينهم وبين عباد اللَّه، فذاقوا مسّ سقر، وكنا نخوض مع الخائضين في أيّ أمرٍ، وفي أيّ مسألةٍ، لا نبالي بالحرام، ولا نتقي الكفر، بل كلّما غَوَى غاوٍ غوينا، وكنا نكذب بيوم الدين، وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون (47) أو آباؤنا الأولون [الواقعة: 47، 48] ، فما زلنا على هذه الحال حتى أتانا اليقين يعني الموت، الذي يقطع كل شيء، ويُنهي كل زينة، وقد أمر اللَّه تعالى نبيه أن يعبده حتى يأتيه الموت، فقال: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99] ، ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون رضي الله عنه وقد مات فقال صلى الله عليه وسلم: «أما هو فقد جاءه والله اليقين» .
وقد ضلّ قوم جعلوا اليقين درجةً من درجات الدين، بل أعلى درجات الدين، وزعموا أن من وصلها سقط عنه التكليف، فليفعل ما يشاء، واستدلوا على ذلك بقول اللَّه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، قالوا: فمن بلغ اليقين ترك العبادة: كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا [الكهف: 5] ، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم [التوبة: 74] ، لقد قال اللَّه لنبيه صلى الله عليه وسلم: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، ورأيناه صلى الله عليه وسلم ظلّ يعبد ربه حتى مات، فهل مات صلى الله عليه وسلم قبل أن يبلغ اليقين الذي يبلغه القوم ؟!
الجواب - منهم: نعم؛ لأن الوليّ عندهم أفضل من النبي، حتى قال قائلهم: لقد خُضُنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله ! وقال الآخر:
مقام النبوة في برزخ فُويق الرسول ودون الولي!
أما نحن فنقول: نبيّ واحدٌ أفضلُ من جميع الأولياء، وأنّ القوم الشيطان سول لهم [محمد:25] ، حتى قالوا ما قالوا، ولو كانوا يتدبرون القرآن لرجعوا عن قولهم بل عَنْ كفرهم، وإلا فليجعلوا أنفسهم مع أهل سقر الذين قالوا: وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين، قال تعالى: فما تنفعهم شفاعة الشافعين؛ لأن الشفاعة لأهل الكبائر من أهل لا إله إلا اللَّه، وأما من مات على غير لا إله إلا اللَّه فما تنفعهم شفاعة الشافعين.
ثم أنكر تعالى على المكذبين بيوم الدين إعراضهم عن التذكرة والهدى، فقال: فما لهم عن