التذكرة معرضين (49) كأنهم في إعراضهم عن الحق حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة، شبه اللَّه تعالى الكفار في فرارهم من الرسول وإعراضهم عن القرآن واستماع ما فيه من المواعظ بحمر وحشية جرت في نفارها ممن طاردها من أسدٍ أو روعها من قانص أو أفزعها من صائد، وفي تشبيههم هذا بالحمر مذمة ظاهرة، وتسفيه، وشهادة عليهم بخفة العقل والبله ثم كشف اللَّهُ عما في صدور القوم مما يمنعهم من الإيمان فقال: بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة، فهو الحسد الذي أكل قلوب القوم ! لِمَ يختصُّ محمدٌ بالوحي دونهم ! لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف:31] ، أو يُؤتَى كلُّ واحد
منهم كتابًا كما أُوتي محمدٌ ! كما قال تعالى: وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله [الأنعام:124] ، وقال تعالى: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا إلى أن قالوا: أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه
[الإسراء:90-93] . فهذا بعض ما في نفوسهم، وآخرُ يذكره اللهُ تعالى في قوله: كلا بل لا يخافون الآخرة، فهم ينفرون من الدعوة، وينأون عن التذكرة لأنهم لا يخافون عذاب الآخرة، لأنهم به مكذبون، ولو استشعرتْ قلوبهم حقيقة الآخرة لكان لهم شأنٌ غير هذا الشأن المريب، ثم يقول تعالى: كلا إنه تذكرة أي حقًّا إن القرآن تذكرة أي موعظة، فمن شاء
ذكره أي اتّعظ به، ولكنّ مشيئته مرتبطة بمشيئة اللَّه، ولذا قال تعالى: وما يذكرون إلا أن يشاء الله، والعبد لا يعرف ماذا يشاء اللَّهُ به، فهذا من الغيب المحجوب عنه، ولكنّه يعرفُ ماذا يريدُ اللَّه منه، فهذا مما بينه له، فإذا صدقت نيته في النهوض بما كلّف أعانه اللَّه ووفقه إلى
ما يرضي اللَّه عنه، فالعبد لا يتحرك ولا يسكن إلا بمشيئة اللَّه تعالى وحسب مراده.
والله سبحانه هو أهل التقوى أي هو أهلٌ أن يُخشى، لأنّه العزيزُ الجبار المتكبر، وهو سبحانه أهل المغفرة لمن يخشاه، كما قال تعالى: إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير [الملك: 12] ، اللهم ارزقنا خشيتك في السر والعلانية، واغفر لنا ذنوبنا كلها، دِقّها وجلّها، وأوّلها وآخرها.
والحمد لله رب العالمين.