فهرس الكتاب

الصفحة 8035 من 9994

إن دعم أهل فلسطين وعونهم هو عون ونصرة للمسجد الأقصى الذي يتعرض كل يوم إلى محاولة تخريب وتدمير، حتى آثر بعض أهل فلسطين المرابطة فيه وعدم الخروج منه أبداً حماية له، أفلا يستحق هؤلاء وأمثالهم من المرابطين العون والتثبيت، إن حال أهل فلسطين يقول:

لمن أشكو مآسينا ومن يصغي لشكوانا ويجدينا

منفيون نمشي في أراضينا ونحمل نعشنا قسراً بأيدينا .

أيها الإخوة:

تواجه الأمة الإسلامية كلها صراعاً مريراً مع اليهود أعداء الأمس واليوم والغد، ويقف معهم ويسندهم السلاح الأمريكي ودعمه السياسي، والمال الألماني الذي يقدم المليارات لليهود تعويضاً عن المحرقة المزعومة، والعون البشري الروسي حيث هاجر إلى فلسطين خلال السنوات الماضية نصف مليون يهودي روسي، لقد برزت في فلسطين الأحقاد الدولية، وظهرت فيها المتناقضات العالمية، وانكشفت فيها حرب المصطلحات، وتعرى فيها بريق الشعارات، وسقط فيها القناع عن المتلاعب فيها بالوثائق والقرارات، فلم يعد المسلم في أي كان مغدوراً يجهل، أو محتجاً بانشغاله بخاصة أموره، فإن هذا مسلك المنافقين الذين يتخلفون عن معونة إخوانهم ويقولون: (( شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ) ) (الفتح: 11) .

لقد غاب عن هؤلاء المنافقين بأن الله يبارك في المال عند ما يكون فيه نصيب للمسلمين وقضاياهم، وهذا مصداق قوله- صلى الله عليه وسلم-: (( ما نقص مال من صدقة ) ).

فما يدرينا أن كثيراً من أوجه الخسارة التي يُصاب بعض الناس في أموالهم إلا بسبب غفلتهم أو تغافلهم عن واجباتهم الكبرى، إنها مسألة تستحق التأمل، على أمل استدراك ما فات.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية

الحمد لله على كل حال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو المستعان على ما نرى من مذلة وهوان، فقد عظم والله البلاء، وقل المساعد، وعز النصير، والكرب زائد.

إن ما يجري في فلسطين المحتلة من تقتيل وتجويع وحصار هو امتحان شديد للأمة جمعاء.

هذه الأمة التي كانت وما زالت على مر التاريخ أمة شجاعة معطاة، لهذا فهي تعيش على مفترق طرق يراد منها أن تتنازل عن ثوابتها، وأن تركع لعدوها، وإن فلسطين أحد الميادين التي يقاتل فيه العدو أمة الإسلام كلها .

لقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- غداة غزوة بدر يدعو ربه قائلاً: ( إن تهلك هذه العصبة لن تعبد في الأرض) ونحن نقول إن أهل فلسطين يقاتلون نيابة عن الأمة كلها، وصامدون نيابة عنها ليعلم العالم كله أنه ما زال في الأمة من يتمسك بالثوابت ويقاتل دونها .

أيها المسلمون: انصروا إخوانكم من أجل هذا، انصروا إخوانكم في فلسطين لأنهم مستضعفون، والله تعالى يحثكم على هذا الأمر قائلاً لكم (( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ ) ) (( النساء: 75) .

انصروا إخوانكم في فلسطين ليعلم الناس جميعاً إنه عند ما يجتمع الكفر كله لنصرة اليهود، فإنه سوف يجتمع الإيمان كله لنصرة المسلمين والمرابطين في فلسطين.

أيها الإخوة المؤمنون:

إذا كانت الدول تسير في ضوء حسابات، وتتخذ مواقفها وفق توازنات ترها هي، فإن للإفراد مجالهم وميدانهم الذي ينبغي أن تظهر فيه شجاعتهم بمفهومها الواسع، فإن الشجاعة ليست مقصورة على مقارعة العدو في ميدان المعركة .

إن الصدع بالحق شجاعة، وإن تقديم العون للأهل والإخوة شجاعة، وإن رفض الضغوط شجاعة، وإن إخراج بعض المال في سبيل الله شجاعة.

إذا لم يظهر كل مسلم غيور على دينه وأمته، حريص على النجاة بنفسه، إذا لم يظهر شجاعته الآن فمتى بالله عليكم.

إني أنادي والرياح عصيبة والأرض جمر والديار ضرام

يا ألف مليون ألا من سامع هل من مجيب أيها الأقوام

قد بح صوتي من نداكِ أمتي هلا فتى شاكي السلاح همام

أيها الإخوة الكرام:

إن بلدنا المبارك حكومة وشعباً أكثر البلاد دعماً وعوناً لأهل فلسطين، وهم يذكرون هذا ويشكرونه لكم.

وكلهم أمل ألا تتركوهم يمدون أيديهم للمنافقين الذين يتاجرون بقضية فلسطين، ويدفعون من أجل هذا الملايين.

أيها الإخوة الكرام:

لن يعدم المسلم الحريص وسيلة يوصل بها عونه لأهل فلسطين، فهناك جمعيات متعددة تقوم باستقبال التبرعات، وتنفقها في شراء الاحتياجات الضرورية من حليب للأطفال ودقيق وأدوية.

ويجب على كل صادق مخلص أن يبحث ويسأل ويجتهد في هذا المجال، فهو مدعو لمقاومة عدو ورد في شأنه التحذير منه مئات الآيات في عشرات السور، من أجل تحرير أرض ورد في فضلها عشرات الآيات والأحاديث.

لقد حان الوقت لتحقيق مفهوم الأمة الواحدة المتمثلة في قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) ).

وقوله- صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه مسلم: (( بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتنا كقطع الليل المظلم ) ).

وحسبي وحسبكم جميعاً هذا القول الفصل الموجز والمعجز، وهو الله تعالى: (( فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) ( البقرة: 148 ) .

اللهم فرج لإخواننا على أرض فلسطين المباركة .

إنَّ الحمدَ لله نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن يهدهِ اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولهُ، اللهمَّ- صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين-، وارض اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلي يوم الدين:

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) ) ( النساء: 1 ) .

أيُّها المسلمونَ: في الأيام الحالكلةِ، وفي ظروفِ الأزماتِ والشدِّةِ علَّم الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- أصحابهُ والمؤمنين من بعدهم، التفاؤلَ بنصرِ الله، وبشّرَهم بالفتوحاتِ الإسلامية، والمشركونَ يغزوهم في عقرِ دارهم، ووعدهم التمكينَ في الأرض، والنصرَ على الأعداء .

أجل لقد بلغَ الكربُ في غزوةِ الأحزاب ما قصَّ اللهُ في كتابه، (( هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ) ) ( الأحزاب: 11)

وبلغ الفألُ عند رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- حين اعترضت صخرةٌ للصحابةِ وهم يحفرونَ الخندق، فاستنجدوا برسولِ الله- صلى الله عليه وسلم-، (( فضَر بَها ثلاث ضربات، فتفتت، قال إثرَ الضربةِ الأولى،("الله أكبرُ") أعطيتُ مفاتيح الشام ، والله إنِّي لأبصرُ قصورَها الحمراء الساعة، ثم ضربها الثانية فقال: الله أكبرُ أُعطيت مفاتيح فارس، والله إنِّي لأبصرُ قصرَ المدائنِ أبيض، ثم ضرب الثالثة وقال:"الله اكبرُ أُعطيتُ مفاتيح اليمن، والله إنِّي لأبصرُ أبواب صنعاءَ من مكاني هذا الساعة ))الحديثُ رواهُ أحمد والنسائي بإسنادٍ حسن كما قال ابنُ حجر في الفتح 15/280.. وغيرُهما."

اللهُ أكبر!! كم بيَّن مشاعرَ المسلمين في هذه اللحظةِ الشديدةِ التي عبّرَ عنها بعضُ المنافقين بقولهم: (كيف يعدنا محمدٌ- صلى الله عليه وسلم- كُنوزَ كسرى وقيصر، وأحدُنا لا يستطيعُ أن يقضيَ حاجتَه) [ القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/147]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت