فهرس الكتاب

الصفحة 8036 من 9994

وكشفهم القرآن الكريم بقوله تعالى: (( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ) ) ( الأحزاب: 12) .

أقولُ كم بين هذه المشاعرِ اليائسةِ من قبلِ المنافقين، والمُزلزَلَةِ من قبلِ المؤمنين، وبين بُشرى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من مسافة، وصَدَقَتِ البشرى وكانت تلك الكلماتُ منهُ- صلى الله عليه وسلم- دلائلَ نبوةٍ وبشرى ووعداً صادقاً بفتحِ المسلمين مستقبلاً لهذه البلاد، ودينونةِ أهلِها بالإسلام، بل وأزاح الإسلامُ فيما وراءها من بلادٍ وأممٍ كانت تعيشُ الظلمَ والظلامَ، فانقلبت بعد الإسلامِ تتفيؤ نورَ الإسلام، وتتقلبُ في العدلِ والأمان.

إخوة الإيمان: لكن هذه الفتوحُ لم تُهدِ للمسلمين على أطباقٍ من الدَّعة والاسترخاء، وإنما تَمَّت بعد بذلِ الأرواحِ والمُهجِ، وإنفاقِ الغالي والنفيس، وجمع طاقةِ الأمةِ والارتفاع بمقيمها، والمرابطةِ على الثغورِ عدةَ سنين، والتنافسِ على الموتِ في سبيلِ اللهِ، أو تحقيقُ النصرِ لدينِ الله.

أيُّها المسلمون: وهلمُوا معي أقصُّ عليكم نباَ ملحمةٍ من ملاحمِ المسلمينَ مع أعدائهم الروم، وإن شئتَ فقل فصلاً من فصولِ الجهادِ في سبيلِ الله ، ومحاولةً من مُحاولاتِ المسلمين لفتحِ القسطنطينية، ( معقل الروم ) ، وعلى أسوارِ القسطنطينيةِ أقفُ وإيَّاكم، وعن جهودِ الأمويين أحدثُكُم ، ومرّةً أُخرى أعودُ إلى هدي النبوة، وفي صحيحِ البخاري في كتابِ الجهاد، بابُ ما قيلَ في قتالِ الروم، عن أمّ حرامٍ زوجُ عبادةَ بن الصامت- رضي الله عنهما- قالت: سمعتُ النبيَّ- صلى الله عليه وسلم- يقول: ( أولُ جيشٍ من أمتي يغزونَ البحرَ قد أوجبوا ، قالت أمُّ حرام ، قُلتُ يا رسولَ اللهِ: أنا فيهم ؟ قال: أنتِ فيهم ، ثُمَّ قال النبيُّ- صلى الله عليه وسلم-: أولُ جيشٍ من يغزون مدينةَ قيصر مغفورٌ لهم، فقلتُ أنا فيهم يا رسولَ الله ؟ قال: لا ) ) ( ح 2924 الفتح 6/102) .

وأقفُ مع هذا الحديثِ، ومع أولِ محاولاتِ المسلمين لفتحِ القسطنطينيةِ عِدَّةَ وقفات:

1-هِمّةُ هذه المرأة المسلمةِ على فعلِ الخيرِ والجهادِ في سبيلِ الله ، رجاءَ مغفرةِ الذنوبِ، ورفعةِ الدرجات، وقد وردَ في روايةٍ أُخرى عند البخاري، أنَّ أمَّ حرامٍ- رضي الله عنها- (حين سمعت من رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- عن نفرٍ من أمتهِ يركبون ثجَّ البحرِ مُجاهدين في سبيلِ الله قالت: يا رسولَ الله: ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم ، فقال: اللهم اجعلها منهم) .

وقد كانَ وركبت أمُّ حرامٍ البحرَ مع المجاهدين ، وشاءَ اللهُ أن تُستَشهَدَ وهي غازيةً على أثرِ وقصِ دابتِها لها ( البخاري ، الجهاد ، غزو المرأة في البحر ، الفتح / 6/76) ح/ 2877 ، 2878]

وفرقٌ بين هِمَّةِ هذه المرأةِ في الجهادِ والاستشهادِ ، وهممُ نساءٍ أخرى لا يتجاوزنَ المطعمَ والمشربَ، والموديلَ والموضة، وأعظمُ من ذلكَ إذا كانت بريداً للفتنةِ، مُستخدمةً للإشاعةِ الفاحشة، ومع ذلكَ فلا يزالُ في عددٍ من نسائنا خيرٌ كثير، ومنهنَّ من تتطلعُ إلى همّة أمِ حرام، وتودُّ أن تنتهي كنهايتها .

2-في الحديث - كما قالَ أهلُ العلم - منقبةً لمعاوية- رضي الله عنه- لأنَّهُ أولَ من غزا البحر، ومنقبةً لولده، يزيدُ لأنَّهُ أولُ من غزا مدينةَ قيصر، ( القسطنطينية ) [ الفتح: 6/102]

3-وفي الحديثِ كذلك قضيةً لأبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه-الذي كان ضمنَ هذا الجيش الغازي للقسطنطينية ، بل استشهدى عند أسوارها، وأوصى أن يُدفنَ عند بابِ القُسطنطينية، وأن يُعفى قبرهُ ففُعل ذلك به، ويُقالُ إنَّ الرومَ صاروا بعد ذلك يستسقونَ به ( الفتح 6/102)

4-وعيُ معاويةُ- رضي الله عنه- وحرصهُ على حروبِ الروم ،جعلهُ يُعدُّ العُدةَ، ويرسلُ البعوثَ لمحاصرةِ الرومِ وإشغالهم عن المسلمين من جانب، وفتحَ بلادِهم ونشرَ الإسلام فيها من جانبٍ آخر، وفوقَ هذا وذاك فهو منهُ إدراكٌ واعي لموقعِ الرومِ في الأمم، تلك التي عبَّر عنها- رضي الله عنه- بقوله: ["شُدُّوا خناقَ الرومِ تضمُّون بذلك غيرَهم من الأمم"] [ تاريخ خليفة خياط ص 220]

5-وشاركَ معاويةَ- رضي الله عنه- في همّةِ جهادِ الرومِ خُلفاءُ آخرون في دولةِ بني أمية، ومن أبرزِ هؤلاء عبدُ الملك وسليمانُ بن عبد الله- رحمه الله- حيث جمع الجموعَ، وحشدَ الحُشود لغزو الروم، وشاركهُ الهمَّة جماعةٌ من الفقهاء والمحتسبين،

وهمَّ الخليفةُ سليمانُ بالإقامة في بيت المقدسِ، لجمعِ الناسِ والأقوالَ، ولكنهُ عدلَ عنها إلى ( دابق ) شمالاً، ( وهي قريةٌ قربَ حلب ) ، وذلك ليكونَ أقربُ إلى ميدانِ القتال، وليرفعَ من روحِ المُقاتلين، بل لقد حلفَ ألاَّ يعود حتى تُفتحَ القسطنطينيةُ، أو يموتَ دونَ ذلك، وقد برَّ بيمينهِ فمات هُناك.

قال ابن كثير: فحصلَ له بهذهِ النية أجرُ الرباطِ في سبيلِ الله، فهو - إن شاءَ اللهُ - ممن يُجرى لهُ ثوابُهُ إلى يوم القيامة- رحمه الله- ( البداية والنهاية 9/205)

6-ومسلمةُ بنُ عبد الملك، وعُمرُ بن هبيرةَ الفزاري، ومسلمةُ بنُ حبيب الفهري، وأبو يحيى البطال، وغيرُهم من قادةِ الجيوش، أو سائرِ رجالاتِ الجيشِ الغازي، كلُّ هؤلاءِ أُبلوا بلاءً حسناً، وتحملوا عناءَ السفرِ ومشقةَ الجهاد، ومنهم من قضى نحبهُ شهيداً صادقاً، ومنهم من انتظرَ مُرابطاً صابراً محتسباً على صعوبةِ العيشِ وبردِ الشتاء، ودُونَكم هذه الروايةَ، عن شاهدِ عيانٍ تحكي شيئاً من مُعاناةِ المجاهدين هناك.

ويقول الذهبي: قال محمد بنُ زياد الألهاني: غزونا القسطنطينية، فجُعْنا حتى هلكَ ناسٌ كثير، فإن كانَ الرجلُ يخرجُ إلى قضاءِ الحاجة والآخرُ ينظرُ إليه، فإذا قام أقبلَ ذلك على رجيعِهِ فأكله، ( سير أعلام النبلاء 4/502)

وهل تعلمون أنَّ عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- حين استُخلف - بعد سلمان - وأمرَ بعودةِ الجيشِ المرابط على أسوارِ القسطنطينية، لم يرجع هذا الجيشُ إلاَّ بعد تردد، وكان رجوعُهُ استجابةً لمطلب الخليفة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت