ومن صور ذلك أيضاً أن يتبع المعلم هواه فلا يقوم بما يجب عليه من العدل بين طلابه بجعل المفاضلة بينهم قائمة على أسس من الجد والاجتهاد ورعاية حق العلم, بل يميل إلى طائفة أو فرد منهم مقدماً من حقه التأخير, أو مؤخراً من حقه التقديم، اتباعاً للهوى وإعراضاً عن الحق.
وكم لاتباع الهوى في دنيا الواقع من صور, وكم لها من أضرار وآثار لا تقع تحت العد, ولا يستوعبها المجال، وحاصل ذلك أن اتباع الهوى والانقياد له مفض إلى الانحراف عن الصراط المستقيم, والحيدة عن طريق الله القويم, وإلى خسران الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.
وعلاج ذلك ـ يا عباد الله ـ أن يجعل المرء هواه تبعاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأن لا يقدم على أمر الله ورسوله شيئاً مهما عظم شأنه وعلا قدره, وأن يحتكم في كل دقيق وجليل من أمور حياته إلى حكم الله, ويرضى به ويسلم, فتكون عاقبة ذلك أن يرضى ويغضب لله, وأن يحب ويبغض في الله، وأن يعطي ويمنع لله.
فاعملوا ـ رحمكم الله ـ على مجانبة اتباع الهوى, وانأوا بأنفسكم عن سلوك كل سبيل يفضي إليه تكونوا من المفلحين, وصدق الله إذ يقول: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ الههُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله ولي المتقين, أحمده سبحانه يعز الطائعين ويذل العاصين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله, شفيع المؤمنين وقائد الغر المحجلين، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيا عباد الله، إن اتباع ما أنزل الله من البينات والهدى والعمل به والتسليم له عاصم للمرء من اتباع الأهواء وحافظ له من التردي في وهدتها, مورثه إياه سعادة جعلها الله خالصة لمن اتبع شريعته واهتدى بهديه, وأعرض عن كل ما سوى ذلك، كما قال سبحانه مخاطباً عبده ونبيه محمداً آمراً إياه باتباع شريعته، محذراً له من اتباع الأهواء قال سبحانه: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية:18، 19] .
فهذا ـ يا عباد الله ـ هو الطريق المستقيم الموصل إلى رضوان الله والظفر بجناته، فالزموه واستمسكوا به ـ رحمكم الله ـ وحذار من اتباع الهوى فإنه الداء كل الداء.
أسامة بن عبد الله خياط
مكة المكرمة
المسجد الحرام
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-خطورة اتّباع الهوى. 2- من صور اتّباع الهوى. 3- علاج اتّباع الهوى.
الخطبة الأولى
أمّا بعد: فيا عبادَ الله، اتّقوا الله حقَّ تقاته، فإنّ التقوى خير زادٍ يصحَب المسلمَ في رحلته إلى الله والدار الآخرة حيث لا ينفَع مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلب سليم.
أيّها المسلمون، إنّ مجانبةَ الضّلال والسّلامة من الغواية والنّأيَ عن فسادِ العمل منتهى أمل المسلم وغايةُ أمله وذروة مقصده، لذا ليس عجبًا أن ينبعثَ له حسّ مرهَف وشعور يقِظ وفكر حيّ، يحمِله على كمال الحذَر من كلّ ما يحول بينَه وبينَ سلوك سبيل الاستقامة، فإنّ الحوائلَ كثيرة، وإنّ العوائق عديدة، غيرَ أنّ من أظهر هذه الحوائل وأقوى هذه العوائق أثرًا وأشدِّها خطرًا اتباعَ الهوى, على معنى أن يكونَ دليل المرء وقائدُه ومرشده ما تميل إليه نفسه ويهواه قلبه ويلتذّ به حِسّه، لا ما يأمره به وينهَاه عنه الله ورسولُه.
ولمّا كان المسلمُ مأمورًا بأن يجعلَ صلاته ونسكَه ومحياه ومماتَه لله ربِّ العالمين كما قال سبحانه مخاطبًا أشرفَ خلقه وخاتمَ أنبيائه صلوات الله وسلامه عليه: قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163] كان اتباع الهوى عاملاً خطيرًا في النّأي بحياة المسلم عن هذا الأصلِ العظيم من أصول السّعادة وأسباب النجاة، ولذا حذّر سبحانه في حشدٍ من آيات كتابه العزيز من اتّباع الهوى مقرونًا بجملةٍ من الصّفات المقبوحة والأحوالِ المرذولة التي تعَدّ مع ذلك مِن الأسباب الباعثة عليه والمفضِيَة إليه.
فمِن ذلك عدمُ العلم بالله وآياته وشرعِه، ومنه القولُ على الله بغير علم، كمن يتصدّى للفتوى دون أن تجتمعَ فيه شروطها وآدابها، فيكونَ من نتيجة ذلك أن يفتيَ الناس بما تهوى الأنفس, لا بمقتضى الدليل مِن كتاب الله وسنّة رسوله ، فيورِد نفسَه بذلك ويوردَ غيرَه مواردَ الهلاك, ويكون وبالاً على الأمّة وسببًا في الانحراف عن الحقّ كما قال سبحانه: وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:119] .
ومِن ذلك الغفلةُ عن ذكر الله والإعراضُ عن شرعِه, فإنّها تحمل المسلمَ على ترك ما أمِر به ونهِي عنه, والانصراف إلى شهواتِ النفس ولذّات الحسّ وجعلِها منتهى همّه وغايةَ مقصده، فلا حظَّ في نفسِه لغيرِها، بل يكون حالُه مشابهًا لحال الدوابّ والعجماوات.
ويزداد عظمُ الخطر عندما ينصرف المرءُ عن شريعة ربِّه بالكلّية مصمًّا أذنَيه عن البيّنات والهدى، فتتشعّثَ عليه أموره, ويشيعَ الاضطراب في حياته، ولذا حذّر سبحانه المؤمنين من هذه العاقبة فقال سبحانه: وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] .
ومنها الإخلادُ إلى الأرض والركونُ إلى الدّنيا والعمل لها والرضا بها، حتى تكونَ أكبرَ همّه ومبلغ علمه, لها يعمل, وإليها يقصِد, ولأجلها يناضِل، وفيها يوالي ويعادِي، حتّى يقعدَ به ذلك عن سموّ الهدف ورفعةِ الغاية وشرفِ المقام الذي ينشدُه ألو الألباب بعملهم لله والدّار الآخرة، فتكونَ عاقبة أمرِه خُسرًا وندامة لا تنتهي وحسرةً لا تنقطع, كما قال سبحانه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءاتَيْنَاهُ ءايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَاكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ الآية [الأعراف:185، 186] .
ومنها الظلمُ، والظلم ـ يا عباد الله ـ تتّسع أبعادُه وتتنوّع دروبه، فلا يقتصر على ظلم الإنسان نفسَه بالمعاصي حتّى يوردها مواردَ الهلاك، بل يتجاوز ذلك إلى ظلمِ غيره بألوانٍ كثيرة تندرِج كلُّها تحت مفهوم التعدّي عليهم في الأنفسِ أو الأموال أو الأعراض، فيورثه ذلك من ظلماتِ يوم القيامة ما لا منجى له منها كما قال سبحانه: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَاءهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الروم:29] .