فهرس الكتاب

الصفحة 9703 من 9994

ومنها تزيينُ سوءِ العمل في نفسِ صاحبه، فإنّ المرءَ إذا زيِّن له سوءُ عمله انعكست لديه الموازين, فأصبح يرى الحقَّ باطلاً، والباطلَ حقًّا، والحسنَ قبيحًا، والقبيح حسنًا، وإنّها لمحنةٌ يا لها مِن محنة، كما قال سبحانه: أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ [محمد:14] .

ومنها الظنُّ الذي لا يغنِي مِن الحقّ شيئًا، كما قال سبحانه: وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقّ شَيْئًا [النجم:28] ، وكما قال سبحانه: إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الْهُدَى [النجم:23] .

ثمّ إنَّ لاتباعِ الهوى في دنيا الواقع صوَرًا كثيرة لا يحدّها حدّ, ولا يستوعبها حصر، غيرَ أنّ مِن أعظمها خطرًا وأشدِّها ضررًا ما يكون من اتّباع الهوى في ميدان الحكم بين الناس، والفصلِ بينهم في الدماء والأموال والأعراض، ولذا أمر سبحانه نبيَّه داود عليه السلام بالحكم بين النّاس بالحقّ, ونهاه عن اتّباع الهوى لأنّ عاقبة ذلك الضلالُ عن سبيل الله, فقال تعالى: يادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ الآية [ص:26] .

وكذلك أمَر سبحانه نبيَّه وأشرفَ خلقه وأعلمَهم بربّه محمّدًا أن يحكمَ بين النّاس بما أنزل الله، وحذّره من اتّباع الأهواء فقال تبارك وتعالى: وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة:49] .

وبيَّن له أنَّ مآلَ اتّباع أهواء الضالين مفضٍ به ـ وهو رسولُ ربّ العالمين ـ إلى الضّلال والخيبةِ والخُسران, فقال سبحانه: قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ [الأنعام:56] .

ولا ريبَ ـ يا عباد الله ـ أنّ هذا كلَّه توجيه للأمّة من بعده, وتحذيرٌ لها, وهدًى وذكرى لأولي الألباب.

ومِن صور اتّباع الهوى أيضًا اعتدادُ المرءِ بنفسِه وذهابه بها مذاهبَ العُجب والغُرور حتّى يشمَخَ بأنفه, ويستعليَ على غيره, ويأنفَ من قَبول الحقّ ومن الإذعان للنّصح، متَّبعًا هواه، مضرِبًا عن كلّ ما سواه من البيّنات والهدى.

ومنه الحكمُ على الآخر وفقًا لما يمليه عليه هواه ولِما يستقرّ في نفسه من آراء، فإذا بذلك يحمله على تركِ العدل، والمسلمُ مأمور بالعدل مطلقًا، حيث قال سبحانه: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135] .

ومِن صُوَر ذلك أيضًا أن تكونَ للرّجل زوجاتٌ فلا يقومُ بمقتضى العدل بينهنّ, بل يتّبع هواه، فيحمله ذلك على الميلِ إلى إحداهنّ كلَّ الميل، ويذر ما سواها كالمعلّقة، بل إنّ الأمرَ ليتمادى به إلى تعاملِه مع أبنائه أيضًا, فإذا هو ميّالٌ إلى بعضهم دونَ بعض، يرفعُه ويَهَب له ويجعله محضيًّا بكلّ ألوان الرعاية والعِناية، ويدَع غيرَه من أبنائه مُبعدًا محرومًا منسيًّا.

ومِن صورِ ذلك أيضًا أن يتّبع المعلّم هواه، فلا يقوم بما يجِب عليه من العدلِ بين طلاّبه بجعل المفاضلة بينهم قائمةً على أسسٍ من الجدّ والاجتهاد ورعايةِ حقِّ العِلم, بل يميل إلى طائفةٍ أو فردٍ منهم، مقدِّمًا من حقُّه التأخير, أو مؤخِّرًا من حقُّه التقديم، اتّباعًا للهوى وإعراضًا عن الحقّ.

وكم لاتّباع الهوى في دنيا الواقع من صُور, وكم لها من أضرار وآثارٍ لا تقَع تحتَ العدّ ولا يستوعِبها المجال، وحاصلُ ذلك أنّ اتّباع الهوى والانقيادَ له مفضٍ إلى الانحراف عن الصراط المستقيم, والحيدةِ عن طريق الله القويم, وإلى خسران الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

وعلاجُ ذلك ـ يا عبادَ الله ـ أن يجعلَ المرء هواه تبعًا لما جاء به رسول الله , وأن لا يقدِّم على أمرِ الله ورسوله شيئًا مهما عظُم شأنه وعلا قدرُه, وأن يحتكمَ في كلّ دقيق وجليل مِن أمور حياته إلى حكمِ الله, ويرضى به ويسلّم, فتكون عاقبة ذلك أن يرضى ويغضَبَ لله, وأن يحبَّ ويبغضَ في الله، وأن يعطيَ ويمنعَ لله.

فاعملوا ـ رحمكم الله ـ على مجانبةِ اتّباع الهوى, وانأوا بأنفسكم عن سلوكِ كلِّ سبيلٍ يفضي إليه تكونوا من المفلحين, وصدق الله إذ يقول: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ الههُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23] .

نفعني الله وإيّاكم بهدي كتابه وبسنّة نبيّه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله وليّ المتّقين, أحمده سبحانه يُعزّ الطائعين ويُذلّ العاصين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبده ورسوله, شفيع المؤمنين وقائدُ الغرّ المحجّلين، اللهمّ صلِّ وسلّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمّا بعد: فيا عباد الله، إنّ اتباعَ ما أنزل الله من البيّنات والهدى والعملَ به والتسليم له عاصمٌ للمرء من اتّباع الأهواء، وحافظٌ له مِن التردّي في وهدتِها, مورثٌ إيّاه سعادةً جعلها الله خالصةً لمن اتّبع شريعتَه واهتدى بهديه وأعرض عن كلّ ما سوى ذلك، كما قال سبحانه مخاطبًا عبدَه ونبيّه محمّدًا آمرًا إيّاه باتّباع شريعتِه، محذّرًا له من اتباع الأهواء، قال سبحانه: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية:18، 19] .

فهذا ـ يا عبادَ الله ـ هو الطريقُ المستقيم الموصلُ إلى رضوانِ الله والظفَر بجنّاته، فالزموه واستمسِكوا به رحمكم الله، وحذارِ من اتّباع الهوى فإنّه الدّاء كل الدّاء.

ألا فاتَّقوا الله عبادَ الله، وصلّوا وسلّموا على خاتَم النبيّين وإمام المتّقين ورحمة الله للعالمين، فقد أمِرتم بذلك في الكتاب المبين حيث قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمّ صلّ وسلّم على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الأربعة...

صالح بن محمد آل طالب

مكة المكرمة

المسجد الحرام

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت