فهرس الكتاب

الصفحة 7111 من 9994

#منهج السلف في تفويض الصفات

إعداد د. محمد عبد العليم الدسوقي

الحلقة الخامسة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه... وبعد:

نتابع في هذه الحلقة الكلام على منهج السلف في إثبات صفات اللَّه تعالى ومراد عبارة أهل العلم من وجوب إثبات الصفات دون تعطيل أو تكييف، فنقول مستعينين بالله:

ومما جاء عن ابن مندة محدث الشرق في هذا قوله:"هو تعالى موصوف غير مجهول، وموجود غير مُدْرَكٍ ومرئِيٌّ غير مُحَاطٍ به لقربه كأنك تراه، وقريبٌ غير ملازقٍ وبعيدٌ غيرُ منقطعٍ، يسمع ويرى وهو العليّ الأعلى وعلى العرش استوى.. فالقلوب تعرفُه والعقول لا تُكَيِّفُهُ، وهو بكل شيء محيط" (1) .. وأنى لعقولنا أن تكيفه وإنا- على حد ما ذكره القاضي أبو يعلى في هذا الصدد- لعاجزون كالُّون حائرون باهتون في حد الروح التي فينا، وكيف تعرج كل ليلة إذا توفاها بارئها، وكيف يرسلها، وكيف تستقل بعد الموت؟ وكيف حياة الشهيد المرزوق عند ربه بعد قتله؟ وكيف حياة النبيين الآن؟ وكيف شاهد النبي صلى الله عليه وسلم أخاه موسى يصلي في قبره قائماً ثم رآه في السماء السادسة وحاوره، وأشار عليه بمراجعة رب العالمين، وطلب التخفيف منه على أمته؟ وكيف ناظر موسى أباه آدم وحجه آدم بالقدر السابق، وبأن اللوم بعد التوبة وقبولها لا فائدة فيه؟ وكذلك نعجز عن وصف هيئتنا في الجنة، ووصف الحور العين؟.. فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم وكيفيتها، وأن بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة، مع رونقهم وحسنهم وصفاء جوهرهم النوراني؟.. وإذا ظهر عجزنا على نحو واضح وفاضح عن معاينة بعض خلقه، فمن ذا الذي يستطيع أن يصف لنا كنهه سبحانه أو ينعت لنا كيف سمع كلامه؟ ومن ذا الذي عاينه أصلاً أو قبلاً فنعته لنا؟ (2) .

وعلى نحو ما دل العقل على عدم إدراك كنه صفاته تعالى، فإنه قد دل كذلك على ضرورة الوقوف على معانيها، ذلك أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم تضمنت شيئين مهمين هما العلم النافع والعمل الصالح كما قال تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون [التوبة:33، والصف: 9] ، فالهدى: هو العلم النافع، ودين الحق: هو العمل الصالح الذي اشتمل على الإخلاص لله والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، والعلم النافع يتضمن كل علم يكون للأمة فيه خير وصلاح في معاشها ومعادها، وأول ما يدخل في ذلك: العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله، فإن العلم بذلك أنفع العلوم وبه قوام الدين قولاً وعملاً واعتقاداً، ومن أجل ذلك كان من المستحيل أن يهمله النبي صلى الله عليه وسلم ولا يبينه للناس بياناً ظاهراً ينفي الشك ويدفع الشبهة، خاصة وأن الإيمان بالله وأسمائه وصفاته هو أساس الدين وخلاصة دعوة المسلمين، وهو أوجب وأفضل ما اكتسبته القلوب وأدركته العقول، ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان أعلم الناس بربه وهو أنصحهم للخلق وأبلغهم في البيان، فلا يمكن مع هذا المقتضي التام للبيان أن يترك باب الإيمان بالله وأسمائه وصفاته ملتبساً مشتبهاً (3) .

وفيما مضى، الرد الكافي على من أخطأوا في تنزيه الله وأحسنوا الظن بعقولهم وأساءوه بالكتاب والسنة فضلوا بذلك طريقهم، فمنهم من نزهه عن فوقيته على عرشه وبينونته من خلقه فاعتقد أنه عين الوجود وأنه في كل مكان ولم يصنه عن أخس الأماكن وأقبحها وهم الحلولية من أتباع جهم وأشياعهم، ومنهم من نزهه عن العلو والفوقية وجعل الوجود بأسره - على اختلاف أنواعه وتقابل أضداده مما لا يسوغ التلفظ بحكايته - هو المعبود، وهم طائفة ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين وأضرابهم من طائفة الاتحادية، ومنهم من أثبت إثباتاً هو عين النفي فوصفوا الباري بصفة العدم بقولهم بوجوده لا داخل العالم ولا خارجاً عنه ولا مبايناً له ولا محايثاً ولا منفصلاً عنه ولا متصلاً به ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا فوقه ولا تحته، فنزهوه بسلوبهم عن علوه وفوقيته على عرشه وجعلوا وجوده بذلك وجودا ذهنياً لا حقيقة له أو هو عين موجوداته، وهو مذهب الطوسي وغلاة الجهمية وطائفة الدهرية والسلبية ومن هم في زماننا على شاكلتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت